وطن في "السفارة"

باسل طلوزي
نيسان ـ نشر في 2017/08/01 الساعة 00:00
أدرك الأردنيون أن الزقّوم هي ثمرة السلام الوحيدة المتاح لهم قطفها من معاهدة وادي عربة، حتى قبل حادث السفارة الإسرائيلية الذي أغلق نصف عاصمتهم قبل أيام.
صحيحٌ أنها بضع عيارات نارية، أطلقها حارس سفارة مأفون، وأردى فيها فتىً لا يتجاوز عمره سبعة عشر عامًا، وطبيبًا أنفق نصف عمره في تحصيل شهادة الطب، غير أن مجرّد بوق سيارة يطلقه سائق 'مجنون' في محيط السفارة 'المقدّسة' كفيل بأن يشكل تهديدًا أمنيًا يقتضي المتابعة والتحرّي وإغلاق الطرق، فعبارة 'محيط السفارة' التي وردت في نص البيان الرسمي الأردني فضفاضة، قد تستطيل في لحظة واحدة لتصبح مساحة العاصمة برمتها، إذا اقتضى الأمر، بدليل أن المنطقة التي تهجع فيها السفارة أغلقت بكاملها عقب الحادث، وأصبح الاقتراب منها مجازفة غير محسوبة العواقب، لأي أرعن يفكر بالمرور من هناك، أو لاستطلاع ما يحدث.
السفارة غرفة، أما 'المحيط غير الهادئ' فهو بحر متلاطم، يشمل 'مسافة أمانٍ' للكيان الصهيوني المتمثل بالسفارة، والذي يضع أي مواطن أردني في دائرة الشك والريبة، ما دام معارضًا للتطبيع، ولاتفاقية وادي عربة برمتها.
على هذا النحو، قامت فكرة إسرائيل ذاتها، وليس السفارة فحسب: 'مساحة ضئيلة ومحيط واسع'، قوامه أن كل ما يحيط بإسرائيل يشكل تهديدًا لها، والمقصود طبعًا العالم كله، وليس العرب فحسب، ومن حقها أن تجعل هذا المحيط 'منطقة عملياتٍ' لها، في أي وقتٍ تشاء، لحفظ أمنها ومصالحها، ولا بأس من قتل فتىً وطبيب وقاض وعالم ذرّة ورسام كاريكاتير وروائي وسياسي ومتظاهر إذا لزم الأمر، لجعل هذا المحيط مسكونًا بفكرة أن إسرائيل إمبراطورية ضخمة، لها اليد الطولى والقرار الأخير في التحكّم بحياة الآخرين، وهي تتعمّد أن تجعل القتل باردًا وسريعًا لا يخضع القرار فيه لأي تفكيرٍ أو حسابات، لتبعث رسالةً واضحة لا لبس فيها: 'حياتكم بالنسبة لنا لا تضاهي حياة صرصور'، وهي رسالةٌ قابلة للتطبيق، ومخوّلٌ بها أي جندي أو شرطي أو مستوطن أو 'موساديّ' أو 'شاباكيّ' أو حارس أمني في أي سفارة.
قد نتفهم أسباب المحتل الصهيوني في حرصه على هذا المحيط الدموي الذي يضربه حول كيانه، غير أن ما يفلق القلب، حقًا، أن يتبنّى عربٌ هذا المحيط بطبعته الإسرائيلية، فيصبحوا أدواتٍ له، بل وأشد حرصًا عليه من صاحبه. وهو عين ما تفعله سلطة أبو مازن، مثلاً، في الضفة الغربية. وهو ما يحدث في عمّان، حين يتم غلق نصفها بذريعة 'التحقيق' الذي ينطوي في أعماقه على تثبيت حق السفارة الصهيونية في 'محيطها' الشاسع، ومناطق نفوذها في أرضٍ لا تملك أي حق بها، وهو ما يدخل في روع المواطن أن إسرائيل وممتلكاتها أوسع مما كان يعتقد، فيتحاشى المرور أحيانًا في منطقة السفارة كلها، أو يُصاب بالتوتر والخوف، إن فعل مضطرًا، ولعل أبلغ دليلٍ على ذلك أن الأردنيين صاروا يختزلون منطقة الرابية كلها التي تقع فيها السفارة بالسفارة الإسرائيلية، فأحدهم تساءل على صفحته في 'فيسبوك' إبّان الحادثة: 'ماذا يحدث في الرابية؟'، علمًا أن الرابية منطقة ممتدة وشاسعة في العاصمة عمّان، ولا تشكل السفارة أكثر من طعنة سوداء في قلبها.
قلنا هي محض 'ثمرة' زقوم جديدة، ازردها الأردنيون في حادثة السفارة، وعلقت في حلوقهم، كما ازردوا من قبل مديونية بلادهم التي قفزت أضعافًا عقب معاهدة السلام مع إسرائيل، على الرغم من أن حكوماتهم كانت تعدهم بالمن والسلوى، حال توقيع المعاهدة، غير أن الوعود سرعان ما تبخرّت، ولم تبق سوى أرقام المديونية الفلكية، وازدياد معدلات الفقر والبطالة، وقتل المواطنين بدمٍ بارد على يدي حارس أو مراسل سفارة لا فرق.. لكن السؤال الممضّ على ألسنة الأردنيين الآن: هل السفارة في الوطن أم الوطن في السفارة؟
    نيسان ـ نشر في 2017/08/01 الساعة 00:00