القدس تقلب الطاولة

محمد المحيسن
نيسان ـ نشر في 2017/12/10 الساعة 00:00
تؤكد الكثير من المعلومات والأنباء المتناثرة هنا وهناك، أن الرئيس الأمريكي ترامب ما كان ليقدم على خطوة نقل السفارة إلى القدس لولا وجود تفاهمات من تحت الطاولة مع زعماء عرب وإسلاميين! إلا أن الجماهير التي أسقطت هذا الخيار أعادت فلسطين العربية إلى الواجهة؛ بل وضعت قضية القدس في المقدمة، وقلبت الطاولة وأعادت ترتيب الأوراق.
الخطوة رغم انها كانت متوقعة ومعروفة مسبقا، وعلى ما حملت من احتقار وإهانة للعالم العربي والإسلامي وحتى الانساني، إلا أنها ساهمت في إيقاظ بعض الضمائر التي كانت تغط في سبات عميق، مقنعة نفسها بإمكانية السلام تارة، وبإمكانية التعايش مع عدو مغتصب تدعمه قوة غاشمة تارة أخرى.
إذاً القدس التي كانت وما زالت ورقة للمساومات السياسية لدى البعض، تم دفعها هي مع الكثير من المال، ثمنا رخيصا للإبقاء على أنظمة وحمايتها من الانهيار السريع.
المتتبع لوسائل الإعلام العربية، ووسائل التواصل الاجتماعي قبل شهر من الآن، يلاحظ وجود حملة شنها أشخاص خرجوا فجأة ودون مقدمات، للهجوم على الشعب الفلسطيني دون ذنب اقترفه هذا الاخير، بعضها اتهم الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم، وأخرى دعت لترك القدس والانتباه للتنمية، فهل كانت هذه الحملات مقدمة لما تلاها من تنازلات خطيرة، وما سيتبعها من تنازلات قد تكون أكثر خطورة.
ورغم أن هذه أبواق تهرف بما لا تعرف، إلا أنها استمرت في النعيق، حتى انها استهزأت بمئات الجرحى والشهداء الذين سقطوا على بوابات القدس وشوارعها العتيقة.
في الاخبار ايضا، ما يمكن وصفة بحالة العجز العربي الإسلامي حتى عن الدفاع عن أبسط مقومات الأمة؛ بل إن المتتبع للبيانات والخطابات الرسمية يلاحظ حالة التمني والعشم، بيانات صيغت فقط للحفاظ على ماء الوجه.
«اسرائيل» التي انتصرت حتى الآن دون أن تهدر الكثير من الرصاص، استطاعت أن تجر المنطقة إلى مربع العنف.. فقد سال الدم المسلم بغزارة، كما سال الدم المسيحي بتدفق ؛ إلا أن الدم اليهودي لم تسل منه قطرة واحدة، الامر الذي يفسر حالة الغبن الذي يعيشه أبناء المنطقة بكامل إرادتهم، وكامل علمهم المسبق، إن الكيان الصهيوني والمتحالفين معه، هم خلف كل ذلك الدمار.
«اسرائيل» التي تعيش مجدها الأخير، بنته على أجساد الشعب الفلسطيني لم تدخر جهدا لكي تدمر المحيط العربي .. وما كان لهذا الكيان أن يجرؤ على كل ما تقترفه الآن من جرائم وانتهاكات؛ لولا أنه عرف دية القتيل العربي خلال خمسة حروب، تحولت خلالها بقاع عزيزة ومقدسة من الجغرافيا العربية إلى غنائم سهلة الهضم نتيجة التفتيت.
يقول الكاتب خيري منصور إن «اسرائيل» أصبحت ضليعة في فقه ردود الأفعال لدى من كانوا ذات عروبة غابرة أعداءها، وما قاله هنري كيسنجر تلميحا،ً ثم صرح به آخرون، حول ما يدور أو يدار وراء الكواليس، ها نحن نجني ثماره، وهي عناقيد من الدم، والسؤال المؤجل منذ عدة عقود ينفجر الآن في وجوهنا جميعا، وهو قُدس مَن؟ فهي في السراء قدس الجميع، لكنها في الضراء، قدس أهلها المحاصرين .
مجرد هراء أن يُعتقد أن خطوة نقل السفارة من تل الربيع المحتلة والمغتصبة الى القدس المحتلة، سوف تنتهي عند ذلك الحد، فقد سبق أن حوّل الصليبون ومن خلفهم اليهود الاماكن المقدسة مربطا لخيلهم وعاثوا في الارض فسادا.. ولكن ذلك لم يدم طويلا، حتى تحرك الاحرار لينتقل الحال وينتصر الحق على الباطل .
ها هي الكرة تتدحرج كجبل الثلج، فمن أقصى المغرب العربي وأوروبا، إلى أقصى حدود الشرق، خرجت مسيرات كبيرة لتبصق في وجه امريكا وحلفائها وتعلن رفضها لقرار الترامب الارعن.
القضية لن تتوقف عند هذا الحد، ما دامت القدس في عهدة شباب باعوا الغالي والنفيس من اجل ذرة كرامة.
القدس لمن لا يعلم، هي أرض الإسراء والمعراج، أرض الأنبياء والشهداء والصالحين ، مهد عيسى ومهجر إبراهيم ، الأرض المضمخة بعبق الرسالة والشهادة ، أرض التين والزيتون، أرض الأقصى والمهد والقيامة..وهي شرف مقدس لمن تنفس هوائها ومر بابها ولمس ترابها.
    نيسان ـ نشر في 2017/12/10 الساعة 00:00