القرضاوي حزينا: (أعلم أنكم تبتلون في إنسانيتكم وتفتنون في دينكم)
نيسان ـ نشر في 2015/06/22 الساعة 00:00
وجّه الشيخ د. يوسف القرضاوي رسالة الى آلاف المعتقلين وأسرهم، نشرها مساء الاحد على موقعه في “تويتر”، استهلها بقوله:
“يا أبناء مصر الأبرار.. يا إخواننا الأحبة، وأغصان شجرتنا الحية، ويا أبناءنا وحبات قلوبنا وفلذات أكبادنا .. يا عدة المستقبل وعتاده.. يا أصحاب القلوب النقية والضمائر الحية: خلف قضبان لا يعرف أصحابها معنى العدل ولا معنى الرحمة، ولا يتورعون عن الظلم والقسوة.
بداية أهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك، الذي ندعو الله أن يهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن يجعله بشير خير ونصر، وأن نملأ أيامه ولياليه بفعل الخيرات، واجتناب السيئات”.
وتابع القرضاوي: “أعلم كم تُبتلون في إنسانيتكم، وتُمتحنون في كرامتكم، وتُفتنون في دينكم، على أيدي أقوام غلاظ القلوب، معدومي الضمائر، لا يخافون خالقا، ولا يرحمون مخلوقا.
وكم ابتلينا بمثل هؤلاء الذين يغفلون عن وعيد الله لهم، وقدرته عليهم: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} “البروج:10″.
ووصف القرضاوي هؤلاء المعتقلين بأنهم طلائع الفجر الباسم، وصوت الحرية المشرق، وعزيمة الرجال التي لا تنثني، وقوة الحق الذي لا يلين، مشيرا الى أن وقفة أحدهم الصابرة المحتسبة خلف قضبان الظلم الواهية خير من الدنيا وما فيها.
وتابع القرضاوي: ومع هذا البلاء العظيم، وتلك المعاناة الكبيرة، فقد أخبرنا ربنا سبحانه:ـ{إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} {النساء:104}. إنكم تتألمون من بطشهم ونكالهم، لكنكم لا تدرون كيف يكون بطش الله ونكاله بهم في يقظتهم ومنامهم.. مع أبنائهم وزوجاتهم.. كيف يحرمون لذة الحياة، وكيف يتحول الطعام والشراب غصة في حلوقهم، وكيف يحرمون البسمة الهانئة، والنومة الهادئة، أو السعادة الصادقة.
وقد أمرنا الله سبحانه بالثبات والمصابرة والمرابطة فقال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] فهذا طريق الصالحين والمصلحين، وهذه سبيل الصادقين والمخلصين الذين:
أعطوا ضريبتهم للدين من دمهــم * * والناس تزعم نصر الدين مجانا
أعطوا ضريبتهم صبرا على محن ** صاغت بلالا وعمارا وســلمانا”.
وتابع القرضاوي في رسالته الشجية الحزينة:
“أبنائي وبناتي، وإخواني وأخواتي في معتقلات الظالمين.. لستم وحدكم، فإخوانكم المسلمون والعرب من أبناء أمتنا، معهم أحرار العالم أجمع يقفون خلفكم، ويتضامنون معكم، ويتضرعون إلى الله في الأسحار، أن يثبتكم ويعينكم، ويفك أسركم، ويزيل همكم وكربكم، وينصركم على من ظلمكم.
كونوا على ثقة أن الله معكم، ولن يخذلكم، ولن يترككم وجلاديكم طويلا، فإن النصر فوق الرؤوس ينتظر كلمة كن، فيكون، وما أقرب الساعة الموعودة لخلاص الأنفس، وتحرر البلاد والعباد من أسر هذه الطغمة الفاسدة، { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} “المعارج:5-7″.
كلمة للأمهات والآباء والأبناء
ووجه القرضاوي كلمة الى أمهات وآباء وزوجات وأبناء المعتقلين والمعتقلات قال فيها: “يا من تمزقت قلوبكم، وجرت دموعكم، وتحطمت مشاعركم، ورأيتم من البأساء والضراء والأذى ما لم تكونوا تتوقعونه ، ثقوا أن لكل أجل كتابا، ولكل ليل فجرا، وأن مع العسر يسرا، { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا } [المعارج: 5-7]، و”ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها: إلا كفر الله بها من خطاياه” تدبروا سنن الله في الكون، ودوروا مع الحق حيث دار، ولا يغرنكم سطوة الظالم اليوم، فوالله إنه لأهون على الله من بيت العنكبوت، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها, إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها
فلرب أمـر محـزن *** لك في عواقبه الرضا
ولربمـا اتسع المضيق *** وربما ضاق الفضـا”.
واختتم القرضاوي رسالته قائلا: “اللهم إني أسألك -يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين- أن تربط على قلوب المعتقلين والمعتقلات وعلى قلوب آبائهم وأمهاتهم، وذويهم، وأن تجمع كلمتهم على الهدى وقلوبهم على التقى، وأنفسهم على المحبة، وعزائمهم على الرشد والخير، وأن ترفع الظلم والبلاء عنهم، وأن تبلغهم مما يرضيك آمالهم، وأن تأخذ الظالمين أخذا أليما شديدا.
والحمد لله رب العالمين.
يوسف القرضاوي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”.
نيسان ـ نشر في 2015/06/22 الساعة 00:00