سنرجع
نيسان ـ نشر في 2018/02/28 الساعة 00:00
قد تكون إعادة سرد الحكاية من بدايات الندى شفاء للروح وعزاء لما أتى وما جاء بعدها...
الصوت الذي شق جدران الصمت والخوف في دمشق الحريقة هو حكاية الخلاص السورية ولو كان مآلها كل هذا الخراب..
الأصابع التي رسمت الأسطورة السورية على الجدران هي الحكاية التي تعيدنا إلى ألق اللحظة والذكرى..
الصدر الذي تحدى الدبابة والرصاص هو الحكاية التي نحكيها عن سوريا حين استحال الحلم وصار ركاماً ..
كل ذاك الوجع هو الحكاية السورية، لكن الحكاية أيضاً هو ذلك الكرسي المجلل بالموت والخراب..
بعد سبع سنين عجاف أعود للذكرى، لأرسم طريق عودتي إلى نفسي، إلى ما كنته وكيف صرت، تتشعب الطرق وتغيبني في المنافي، أبحث عني في الشوارع فلا أجدني إلا في خطوط ذكرى أو حلم لم يكتمل...
أمشي وأمشي إلى نفسي...
غسان كنفاني منك أعتذر، فأنا رسمت الطريق إلى حيفا ألف مرة ولم أعد، ومشيت بأقدام أمي إلى موانئ يافا ولم أصل...
دربت خطاي على الطرق التي أعرفها... فارتسمت خريطة دمشق صارخة في قلبي...
أجلس مع نفسي، أبحث عن خطاي، فأرى حذائي في شوارعها يهترئ..
أمرن الذاكرة على النسيان فتستعصي..
أستسلم للذاكرة وللرؤية في خاطري..
إلى دمشق أمشي...
أرسم الطريق، كتميمة أحفظها عن ظهر قلب، أركب الحافلة الصغيرة، وتمضي بي إلى طريق الذكريات الطويل..
أمر بالشوارع، وأبحث عما بقي مني في الحارات، عما بقي من الذكريات..
بعد المرورو على حواجز الخوف المزروعة فيّ..فارغة من مؤونتي، فقط معي خيال وألفة.
أبحث عني بين الركام، أبحث عن وجوه جيراني... لا أحد
عن بيت أحبتي.. لا أحد
لا أجد سوى جدار يتكئ على ركام... يا لوجع البيوت وشوق المفاتيح...
أقف على سطح الذاكرة
أنادي الريح، يا ريح هل تأتي لتلمي صوتهم الذي كان خيال الأحلام، خطوات أقدام الصغار، أيدي الطين..
والعتبات...أين البلاد!!!
لا شيء سوى الغبار..
سأعيد ترتيب الحكاية من البداية حين كسر الصوت الصمت، حين شقت الحناجز ستائر الخوف..
شوق الروح إلى الانعتاق من غياهب السجون... عطش السنديان إلى الهواء والماء...
الحرية دقت القلوب فأُشرعت الأبواب والنوافذ لندائها الأبدي 'غصباً' عن الطغاة..
وحكايتي توقفت عند تلك النقطة الفاصلة بين الليل والنهار، بين الولادة والموت..
قد نبدأ الحكاية حين نصل إلى النهايات التي ترجعنا إلى البداية.. إلى النقطة الفاصلة بين زمنين...
أتحسس قلبي حين تجمد مع عائلة اللجوء على أبواب الموت 'النجاة'...
أنا العتمة في عين الصغير كريم التي في الغوطة فُقأت.. أنا خوف الأم.. أنا وجه الطين الذي يحدق في طاولة 'الحوار' في 'سوتشي' و'جنيف' ولا شيء سوى الدائرة التي تأخذني إلى الدائرة...
الخيال ينافس الصورة والذكرى.
دلفنا السنة السابعة للسنين السبع العجاف، لسنيّ الهجرة واللجوء والموت والبراميل؛ وآن للسنابل الخضر أن تنمو..
أنفض الوجع عله يموت بالكلام، حكايات وكلام يطارد الكلام، وجع يمحي الوجع...
أتتبع حكايا الموت المنثورة كالغربان في أرض اليباب..
يلاحق الموت أحلامي حد الاعتقال، وأنا أنبش الحكايا وأبث الحياة في الذكريات.
سأبدا بنفسي وذكرياتي، لكن لا شيء سوى احتكاك الذاكرة على أبواب ما يُسمى الزمن الجميل، فأراني في أحد شوارع دمشق طفلة تلبس المريول المدرسي وتضع الفولار وسيدارة الطلائع وتقف في طابور المدرسة ولا تردد الشعارات المدرسية.
أتعبتني الحكايات وجرحتني الذكريات، أعود لذاكرة طفلة وأرتبها علّي أفهم أسباب استعصاء اللحظة.
هل يمكن بناء الهوية من رش الملح على الذكريات علها تشفي وتُشفي حتى لو بلغت حد الألم؟
لا أعلم!!
سأبدأ بنفسي وذكرياتي، لكن لا شيء سوى احتكاك الذاكرة على أبواب ما يُسمى الزمن الجميل، فأراني في أحد شوارع دمشق طفلة تلبس المريول المدرسي وتضع الفولار وسيدارة الطلائع وتقف في طابور المدرسة ولا تردد الشعارات المدرسية.
طفلة في السابعة أنا، أقف على باب بيتنا، أركل ورق شجر الخريف ذات أيلول وأفكر بمصير الفقيرة 'غروشا' بطلة قصة دائرة الطباشير القوقازية التي كنت أتابعها في مجلة أسامة بكل الشغف والحب؛ في ذلك الوقت لم أكن أعتقد أن دائرة الطباشير ستتسع لتصبح بحجم الوطن، ولم أكن أتوقع أن ادعاء حق 'الأمومة' يصل لحد التضحية بالابن 'الوطن'.
أعود وأتذكر الكرسي المجلل بالخراب والموت!!
الذكريات تأخذني إلى الذكريات..
ذاكرة أخرى تؤرقني: يوم الثلاثاء هو يوم زيارة سجن المزة، نلملم أغراض 'الزيارة' وتقلنا سيارة إلى المزة وتتركنا عند بداية تلة، أثقال الزيارة تتعب يدي، وتتعب ذاكرتي...
هنا يقبع والدي الذي تعرفت عليه من وراء الشبك، أذكر بسمة هنا، وربما ضحكة هناك، جمل مقتضبة قصيرة كان هو الكلام، طمأنينة عن الحال، وسلام ثم غياب.
في أحد أيام الثلاثاء المشؤومة أجبرتني أمي وأختي الكبرى على الذهاب إلى المدرسة بعد انتهاء الزيارة، كانت الساعة تقارب الحادية عشرة والنصف ظهراً ما يعني قرب انتهاء الدوام المدرسي، أمشي بخطى متثاقلة إلى المدرسة التي كانت عبارة عن بيت عربي وبابه له مطرقة على شكل يد أسوة بأبواب بيوت الدمشقيين، أدق الباب وكأني أهمس بسر لا أريد أن يسمعه أحد، لسوء حظي تسمعه الآذنة 'عاملة النظافة في المدرسة' وتفتح الباب، وتسأل عن سبب تأخري لهذه الساعة، أتمتم بكلمات لا تفهمها ،لكنها تجرني إلى صفي دون أن تسمعني، تدق الباب بيد واثقة، وتفتح المعلمة باب الصف، كنت صغيرة قدر عقلة أصبع وأرى عصا المعلمة تلوح في وجهي، تسأل المعلمة وعلامات الدهشة ترتسم على وجهها، لماذا تأخرت حتى هذه الساعة، أجيب بافتراض أن كل الكرة الأرضية تعرف يوم زيارتنا للسجن، كنت في الزيارة!! تزداد دهشة المعلمة وتقول زيارة ماذا؟؟ أقول: زيارة والدي في السجن.
تنظر إليّ المعلمة وبسمة لئيمة ترتسم على طرف فمها، وهل أبوك حرامي؟؟
ذاب قلبي في يدي عندما تلفظت المعلمة بتلك الجملة، وقلت وأنا أقاوم خوفي: أبي سجين سياسي!
تغمض المعلمة عينيها وكأنها لم تسمع شيئاً وتقول: فوتي انقلعي لمكانك.
أجلس في مقعدي وطبول الكون تقرع في قلبي، لم أبك لأن 'كرامتي' لم تسمح بذلك، ولكني تمنيت لو فعلت ذلك، تناولت دفتري ودسست رأسي فيه، وحتى هذه اللحظة ما زلت أسمع صرير قلم الرصاص وأنا أخط اسمي وكتلة ثقيلة من الغيم تقف في سقف حلقي، شفاهي مطبقة لا تريد أن تقول شيئاً، فقط كنت أريد أن أختفي من ذلك الصف وتلك المدرسة وإلى الأبد حيث عيون زميلاتي ومعلمتي مازالت تلاحقني.
هل في سرد الحكايات شفاء، هل الكلام نجاة، هل الصوت نجاة، هل الذكريات حياة!!
أبحث في تفاصيل الأمس واليوم، هل للكلام أن يعيد الطفل إلى أمه، أن يبني البيوت من غبار الركام...
أعود لأرتب الأسئلة، كي أرتب روحي على أبواب المنافي.
في سوريا كنت فلسطينية تعيش في سوريا حتى الوطن، تتحسس يومياتها كالسوريين، تشرب معهم ماء 'الفيجة'، تتظلل بأشجار الغوطة، تأكل من زيت إدلب وزيتونها، وتقف على طوابير الخبز معهم وتجوع معهم...
كبرت تلك الصغيرة وكبر الوطن فيها.
صار الوطن هو الانتماء لقضية الإنسان وحريته وكرامته..
صار الوطن ذكرياتي التي بنيتها، وحلمي الذي يشتعل ولا يخبو..
أعود وأتحسس نفسي...
من أنا؟؟!!
بعد كل هذا الموت، هل من أمل؟؟!!
أتحسس ما بقي مني... ليس سوى بضعة أمل..
قد أكون كل الذكريات والأحلام التي عنها أكتب كي أجلو غشاوة المشهد وأعيد ألق لحظة انعتاقي من خوفي من السجن والسجان..
أكتب كي أشعل الشموع.. كي لا ينطفئ الأمل في قلبي
أكتب كي أطفئ براكين الغضب...
أكتب كي يصير ليلنا الطويل قمراً يموت ليولد من جديد..
ونرسم من الكلام طريقاً تمشي عليه الأحلام..
لترحل غشاوة الموت عن عيوننا، فليرحل إلى الأبد هذا الكابوس والطغاة..
ولنمضي إلى الطريق ...
إلى بلادنا حرة كريمة راجعون....
تلفزيون سوريا
نيسان ـ نشر في 2018/02/28 الساعة 00:00