اتصل بنا
 

من أقنع الأردنيين أن التنازل عن حقهم الانتخابي هو إصلاح للديمقراطية؟

نيسان ـ نشر في 2026-08-03 الساعة 23:01

من أقنع الأردنيين أن التنازل عن
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
التراجع عن الديمقراطية لا يبدأ بإلغاء الانتخابات، بل يبدأ يوم يقتنع الناس أن التخلي عن بعض حقوقهم هو الطريق إلى إصلاحها.
أقول هذا لأن الفرق كبير بين أن تقيس الدراسات اتجاهات الرأي العام، وبين أن تتحول نتائجها إلى مبرر لإعادة تعريف حقوق الناس، ولهذا، فإن أي دراسة تمس جوهر المشاركة السياسية لا يجوز أن تمر من دون نقاش، لأن الأمر لا يتعلق بنسبة مئوية، بل بمبدأ تقوم عليه فكرة الدولة المدنية.
باختصار إن مناسبة الحديث هو ما خلصت إليه دراسة حديثة تقول إن أغلبية المستجيبين تؤيد تعيين رؤساء البلديات من قبل الحكومة، مقابل نسبة أقل تفضل انتخابهم مباشرة. تخيلوا.
لا أكتب هنا للتشكيك المجاني في الدراسة، ولا للتقليل من شأن الجهة التي أعدتها، لكنني أجد نفسي أمام نتيجة تبدو متناقضة مع المزاج العام الذي عاشه الأردنيون سنوات طويلة، فمنذ عقود، يكاد لا يخلو مجلس أو حديث أو نقاش عام من انتقاد الأداء الحكومي والبيروقراطية والمطالبة بإصلاح الإدارة العامة، فكيف يصبح المواطن نفسه، فجأة، أكثر ميلا إلى توسيع صلاحيات الجهة التي ينتقد أداءها؟.
قد يقول قائل إن الناس سئمت التجارب البلدية، وإنها فقدت ثقتها بمجالس لم تنجح في تحقيق تطلعاتها، وقد يكون في هذا الكلام شيء من الصحة والوجع العام في آن، لكن الإحباط من تجربة معينة لا يعني التخلي عن المبدأ الذي قامت عليه.
الانتخابات ليست امتيازا تمنحه الدولة للمواطن متى شاءت وتسحبه متى شاءت، وليست مكافأة على حسن الاختيار، إنها حق سياسي أصيل، وركن من أركان الإدارة المحلية، ووسيلة تجعل من يدير شؤون الناس مسؤولا أمامهم، لا أمام من عيّنه، وإذا كانت بعض المجالس البلدية قد أخفقت، فإن العلاج الطبيعي هو إصلاح القوانين، وتعزيز الرقابة وصولا إلى محاسبتهم وتحويلهم للقضاء، ورفع كفاءة الإدارة، وتطوير البيئة الانتخابية، لا استبدال صندوق الاقتراع بقرار إداري.
السؤال الحقيقي لا يتعلق بنتيجة الدراسة وحدها، بل بالرسالة التي يمكن أن تُبنى عليها، فإذا أصبحت مثل هذه النتائج مدخلا للتراجع عن حق المواطنين في اختيار من يمثلهم، فإننا نكون قد انتقلنا من قياس الرأي العام إلى استخدامه لتبرير تقليص المشاركة الشعبية، وهنا تكمن الخطورة، لأن الديمقراطية لا تتراجع عادة بقرار واحد وإنما بخطوات صغيرة، تبدأ بإقناع الناس أن بعض حقوقهم لم تعد ذات جدوى.
أخطر من الخطأ في الاختيار، أن يتحول الخطأ إلى ذريعة لمصادرة حق الاختيار نفسه، فالديمقراطية لا تتراجع بإلغاء الانتخابات، بل بإقناع الناس أن لا حاجة لهم بها.

نيسان ـ نشر في 2026-08-03 الساعة 23:01

الكلمات الأكثر بحثاً