حدودنا ليست 'ترانزيت' لتجارة البشر
نيسان ـ نشر في 2026-08-17 الساعة 18:16
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
ليس أسوأ من أن يكتشف بلد أن حدوده التي يحرسها لحماية أمنه وسيادته، دخلت خرائط تجار البشر باعتبارها طريقا بديلا. وهذا على الأقل، ما يضعه أمامنا تحقيق إسرائيلي يتحدث عن استخدام الحدود الأردنية، منذ اندلاع الحرب على غزة، مسارا لتهريب نساء إلى إسرائيل، بعدما ضاق الطريق أمام تلك الشبكات عبر مطار بن غوريون.
القصة لا تخص نساء خُدعن بوعود المال والحياة السهلة فقط، إنها تخصنا نحن أيضا، منذ اللحظة التي ظهر فيها اسم الأردن على خريطة الطريق، فمن الذي يحاول تحويل حدودنا إلى "ترانزيت" في واحدة من أحط تجارات البشر؟
للخديعة زوايا كثيرة، ولتجارها قدرة عجيبة على اكتشاف الحاجة الإنسانية ثم تحويلها إلى مصيدة، وبحسب تحقيق نشره موقع "شومريم" الإسرائيلي، لجأت شبكات الاتجار بالبشر بصورة متزايدة إلى الحدود الأردنية لتهريب نساء إلى إسرائيل، بعد تشديد إجراءات الدخول عبر مطار بن غوريون.
أي أن المهربين عندما أغلقت في وجوههم نافذة بحثوا عن باب آخر. فتيات ونساء من أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية يبحثن عن المال أو فرصة أو حلم بحياة مختلفة. تبدأ الرحلة بصورة على شاشة هاتف ووعد بدخل كبير وربما شقة وحياة تبدو من بعيد أجمل بكثير مما تركنه خلفهن. ثم يبدأ الكابوس.
قد تكون الواحدة منهن جاءت وراء مال سهل، وقد تكون صدقت وهماً كان ينبغي ألا تصدقه، وربما أخطأت في حساب الطريق كله، لكن أيا من ذلك لا يحول خطأها إلى صك ملكية لجسدها ولا يمنح تاجرا أو مهربا الحق في استعبادها.
وهذه بالضبط هي حرفة تجار البشر: لا يعرضون القيد في البداية بل الحلم، لا يقولون للضحية إننا سنستغلك، بل يخبرونها عن المال والشقة والمستقبل. يبيعونها الوهم أولا، ثم يجري بيعها تاليا وبالتقسيط الممل.
وما إن تدخل المرأة الشبكة حتى تتغير اللغة كلها، المال يصبح دينا، والسفر يتحول إلى قيد، والوسيط الذي قدم نفسه باعتباره مفتاح الخلاص يصبح سجانا، والطريق الذي ظنته جسرا إلى حياة أخرى ينتهي بها إلى الاستغلال والعنف والخوف.
لكنني هنا لا أريد أن أذهب بعيدا خلف تفاصيل الحكاية الإسرائيلية. ما يعنيني هو الجزء الذي يجري على جغرافيتنا أو عبر حدودنا، وفق ما أورده التحقيق.
فالحدود ليست خطا مرسوما بالحبر على الخريطة، إنها سيادة وأمن ومسؤولية، وإذا كانت شبكات منظمة قد استطاعت بالفعل أن تضع الحدود الأردنية ضمن مساراتها، فالمسألة لا تنتهي عند نساء أجنبيات يعبرن إلى إسرائيل، نحن أمام شبكات تختبر الطريق، وتبحث عن ثغراته، وتتعلم في كل محاولة كيف تعبره مرة أخرى.
ومن يفتح طريقا للاتجار بالبشر اليوم لا نعرف ماذا سيمرر فيه غدا؛ ولهذا فإن المسألة تستحق أكثر من قراءة عابرة لتحقيق صحفي، تستحق أن نعرف كيف رسم المهربون هذا الطريق ومن يديره وكيف تصل النساء إليه، ومن يستقبلهن على الطرف الآخر، وهل حدثت عمليات عبور بالفعل وكم عددها ومن سهّلها إن ثبت وقوعها.
ثمة شيء شديد الوضاعة في أن يتحول الإنسان إلى حمولة والحدود إلى ممر والحلم إلى طُعم. وثمة مفارقة أكثر سوادا في أن تقطع امرأة آلاف الكيلومترات وراء وعد بحياة أفضل، لتجد نفسها في نهاية الطريق داخل شبكة تتعامل معها باعتبارها سلعة.
الفقر قد يدفع الإنسان إلى أبواب كثيرة، والطمع قد يعميه، والسذاجة قد توقعه في المصيدة، لكن الجريمة تبقى جريمة من نصب المصيدة لا من وقع فيها، ثم إن الطريق ينتهي عند احتلال لم يترك طوال تاريخه شيئا إلا وحاول إخضاعه لمنطق القوة والسوق والسيطرة.
جار زائف يوشك مهما طال الزمن أن يرحل، لكنه قبل أن يفعل يكشف لنا كل يوم المزيد عن عالم مستعد لأن يتاجر بكل شيء، حتى بالإنسان. أما نحن، فلا شأن لنا بالأوهام التي باعها المهربون لضحاياهم، لكن لنا كل الشأن بالطريق.
حدود الأردن ليست ممرا خلفيا إلى إسرائيل، وليست "ترانزيت" لتجار النساء والبشر، وإذا كانت هذه الشبكات قد رسمت هذا الخط على خرائطها، فلا يكفي أن نمحو الخط؛ علينا أن نعرف من رسمه، ومن عبره، ومن كان ينتظره في الجهة الأخرى، ومن فتح له الطريق إن كان قد فُتح.
ليس أسوأ من أن يكتشف بلد أن حدوده التي يحرسها لحماية أمنه وسيادته، دخلت خرائط تجار البشر باعتبارها طريقا بديلا. وهذا على الأقل، ما يضعه أمامنا تحقيق إسرائيلي يتحدث عن استخدام الحدود الأردنية، منذ اندلاع الحرب على غزة، مسارا لتهريب نساء إلى إسرائيل، بعدما ضاق الطريق أمام تلك الشبكات عبر مطار بن غوريون.
القصة لا تخص نساء خُدعن بوعود المال والحياة السهلة فقط، إنها تخصنا نحن أيضا، منذ اللحظة التي ظهر فيها اسم الأردن على خريطة الطريق، فمن الذي يحاول تحويل حدودنا إلى "ترانزيت" في واحدة من أحط تجارات البشر؟
للخديعة زوايا كثيرة، ولتجارها قدرة عجيبة على اكتشاف الحاجة الإنسانية ثم تحويلها إلى مصيدة، وبحسب تحقيق نشره موقع "شومريم" الإسرائيلي، لجأت شبكات الاتجار بالبشر بصورة متزايدة إلى الحدود الأردنية لتهريب نساء إلى إسرائيل، بعد تشديد إجراءات الدخول عبر مطار بن غوريون.
أي أن المهربين عندما أغلقت في وجوههم نافذة بحثوا عن باب آخر. فتيات ونساء من أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية يبحثن عن المال أو فرصة أو حلم بحياة مختلفة. تبدأ الرحلة بصورة على شاشة هاتف ووعد بدخل كبير وربما شقة وحياة تبدو من بعيد أجمل بكثير مما تركنه خلفهن. ثم يبدأ الكابوس.
قد تكون الواحدة منهن جاءت وراء مال سهل، وقد تكون صدقت وهماً كان ينبغي ألا تصدقه، وربما أخطأت في حساب الطريق كله، لكن أيا من ذلك لا يحول خطأها إلى صك ملكية لجسدها ولا يمنح تاجرا أو مهربا الحق في استعبادها.
وهذه بالضبط هي حرفة تجار البشر: لا يعرضون القيد في البداية بل الحلم، لا يقولون للضحية إننا سنستغلك، بل يخبرونها عن المال والشقة والمستقبل. يبيعونها الوهم أولا، ثم يجري بيعها تاليا وبالتقسيط الممل.
وما إن تدخل المرأة الشبكة حتى تتغير اللغة كلها، المال يصبح دينا، والسفر يتحول إلى قيد، والوسيط الذي قدم نفسه باعتباره مفتاح الخلاص يصبح سجانا، والطريق الذي ظنته جسرا إلى حياة أخرى ينتهي بها إلى الاستغلال والعنف والخوف.
لكنني هنا لا أريد أن أذهب بعيدا خلف تفاصيل الحكاية الإسرائيلية. ما يعنيني هو الجزء الذي يجري على جغرافيتنا أو عبر حدودنا، وفق ما أورده التحقيق.
فالحدود ليست خطا مرسوما بالحبر على الخريطة، إنها سيادة وأمن ومسؤولية، وإذا كانت شبكات منظمة قد استطاعت بالفعل أن تضع الحدود الأردنية ضمن مساراتها، فالمسألة لا تنتهي عند نساء أجنبيات يعبرن إلى إسرائيل، نحن أمام شبكات تختبر الطريق، وتبحث عن ثغراته، وتتعلم في كل محاولة كيف تعبره مرة أخرى.
ومن يفتح طريقا للاتجار بالبشر اليوم لا نعرف ماذا سيمرر فيه غدا؛ ولهذا فإن المسألة تستحق أكثر من قراءة عابرة لتحقيق صحفي، تستحق أن نعرف كيف رسم المهربون هذا الطريق ومن يديره وكيف تصل النساء إليه، ومن يستقبلهن على الطرف الآخر، وهل حدثت عمليات عبور بالفعل وكم عددها ومن سهّلها إن ثبت وقوعها.
ثمة شيء شديد الوضاعة في أن يتحول الإنسان إلى حمولة والحدود إلى ممر والحلم إلى طُعم. وثمة مفارقة أكثر سوادا في أن تقطع امرأة آلاف الكيلومترات وراء وعد بحياة أفضل، لتجد نفسها في نهاية الطريق داخل شبكة تتعامل معها باعتبارها سلعة.
الفقر قد يدفع الإنسان إلى أبواب كثيرة، والطمع قد يعميه، والسذاجة قد توقعه في المصيدة، لكن الجريمة تبقى جريمة من نصب المصيدة لا من وقع فيها، ثم إن الطريق ينتهي عند احتلال لم يترك طوال تاريخه شيئا إلا وحاول إخضاعه لمنطق القوة والسوق والسيطرة.
جار زائف يوشك مهما طال الزمن أن يرحل، لكنه قبل أن يفعل يكشف لنا كل يوم المزيد عن عالم مستعد لأن يتاجر بكل شيء، حتى بالإنسان. أما نحن، فلا شأن لنا بالأوهام التي باعها المهربون لضحاياهم، لكن لنا كل الشأن بالطريق.
حدود الأردن ليست ممرا خلفيا إلى إسرائيل، وليست "ترانزيت" لتجار النساء والبشر، وإذا كانت هذه الشبكات قد رسمت هذا الخط على خرائطها، فلا يكفي أن نمحو الخط؛ علينا أن نعرف من رسمه، ومن عبره، ومن كان ينتظره في الجهة الأخرى، ومن فتح له الطريق إن كان قد فُتح.


