اتصل بنا
 

تقنية الإنكار

قاص واعلامي اردني

نيسان ـ نشر في 2018-10-13 الساعة 18:23

نيسان ـ أَنْكِرْ وأَنْكِرْ ثُمَّ أَنْكِرْ. بهذه التقنية المستفزّة إلى أبعد الحدود، يحاول ضالعون بخراب مالطا بعد خراب بلادنا من المحيط الهادرِ إلى الخليج الثائرِ، تشتيت فعل التلقي، والعبث بالحقائق أمام شاشاتٍ المفروض أنها وازنة، ووسائل إعلام ووكالات أنباء قالوا لنا إنها صادقة ومهنية وموضوعية.
بخطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء، يدخل المستشار إلى مكتب السيد الرئيس، يخبره بأحرفٍ جريحةٍ يائسةٍ أن الناس في درعا (على سبيل المثال) يلعنون روحه وروح والده. لا يرفع السيد الرئيس رأسه، لمجرد حتى منح المتسلل إلى مكتبه بعض تعبير. يرمي (الزعيم الأوحد) نظره نحو البعيد. يأخذ وضعية المتأمِّل، وهو لا يتأمَّل ولا ما يحزنون. ثم بعد وقتٍ ليس بالقليل، يفرقع قنبلته المجلجلة:
-فعلها الطرف الثالث.
-مين فخامتك؟ مين الطرف الثالث؟
ينظر (فخامته) له من فوق لتحت، باحتقار مرير، بفوقيةٍ قدريةٍ لا رادّ لها.
تنتهي المقابلة. تبدأ وسائل إعلام النظام الترويج لنظرية السيد الرئيس التي لا يأتيها الباطل ويتمنى الكمال نفسه بلوغ بركاتها. ويصبح الحديث عن المدسوسين والطرف الثالث وعن مؤامرة كونية تستهدف شخصه السماويّ، بديلاً مؤلماً ومدمراً للأوطان والأحلام، عن محاولة تبني تغييراً حقيقياً شاملاً نحو بعض ملامح ديمقراطية ممكنة.
رد فعل يفرض على السيد الرئيس بعد ذلك مواصلة الإنكار، وفي خضم بحثه عن عناصر الطرف الثالث، يهدم المدن فوق رؤوس أهلها. يستخدم ترسانته المعطلة حتى تلك اللحظة عن آخرها. يستورد غيرها. يضطر طلب المساعدة لغايات البحث عن هذا الطرف (اللعين)، من أطراف رابعة وخامسة وعشرتعشر ألف. يواصل البحث عن المجهول وإنكار الواقع المعلوم: شعبه قال له لا. قال له إرحل إرحل يا بشار. أو إرحل إرحل يا صالح. أو يا قذافي، وقائمة تطول من ديكتاتوريات بنت قلاعها وجوهر وجودها على أسس غير موضوعية تستند إلى الوهم وقوى غيبية وأعداء يحاصرون الوطن من أربع جهاته.
مع الأيام يتحوّل الإنكار إلى دينٍ وشريعةٍ وقضاء أعمى ومذيعين ومذيعات وأجهزة ومؤسسات وأموال تُصرف وحسابات وأدبيات ومنابر وأجراس ومناهج تعليم ومباريات وسباق محموم بين الأعداء الداخليين من منافقين ومنتفعين وعرصات، لتعزيز تقنية الإنكار داخل وجدان السيد الرئيس؛ الحنون عادة، المتواضع بمسألةِ عبقريةِ ابنه البكر، وأناقة سيدته وسيدة الوطن الأولى، وصاحب الشفافية الأخاذة بكثير من المسائل، ومنها قصة دلق ابنته الصغيرة حليب الصباح على فستان والدتها الرقيقة.
إنكار لعين أخو ست وستين حرام، ينتقل مثل فيروس عبقريٍّ من بلد عربي إلى آخر: بلد تنكر أن الصحافي الذي يحمل جنسيتها دخل قنصليتها في اسطنبول ولم يخرج منها (بتاتاً) مع ملاحظة التقعير اللغوي المهيب في مفردة بتاتاً، ومع ذلك حكومته الموقرة (دان من طين ودان من عجين). إنكار ينتقل بالعدوى نفسها من بلاط الحكم إلى وسائل إعلام كانت لفترة وجيزة معتقله لدى الابن المدلل، وإذا بها تنفخ في صور الإنكار كما لو أن قيامة إسرافيل على الأبواب. ومرّة ثانية، ولعيون الإنكار (ربُّنا ووليُّ نعمتنا)، يُخترع طرف ثالث. ويجري الحديث عن مؤامرة. وعن خطيبة هي بالحقيقة (مش خطيبة)، يمكن على رأي موروثنا الشعبي (خطيفة).
إنكار محليّ يتعلق بإصرار الحكومة تلو الأخرى أن الإصلاح يأتي من رحلة الشتاء والصيف، وعليه، يبدلون الوزراء بمعدّل مرّتين بالسنة (بدل صيفي وبدل شتوي). إنكار أن الفساد هو أساس خراب الديار. إنكار أن الشعب أصبح لديه عيون ترى وآذان تسمع ومجسّات تعد على دولته ومن معه أنفاس تلاعبهم وتهربهم من إلقاء القبض على المطلوب رأسه: الفساد مهما علا شأنه وارتفعت فاتورة تجفيف منابعه.
الفساد بمختلف أنواعه: في الإدارة، وفي نهب المال العام، وتوزيع المناصب والمكاسب، وتدوير القضايا الكبرى، وتسويف المواجهة الأكبر، وفي طرق تعاملنا مع عدونا (الصهيوني) ومع أصدقائنا المفترضين وأشقائنا المحيطين بنا والبعيدين عنّا.
إنكار بطيـ... إنكار.. في العربية السعودية، والشقيقة السورية، والضائعة اللبنانية، والمُدَمَّرةِ اليمنية، والمنسية الفلسطينية، والتائهة العراقية، والمعتقلة الليبية، والمغيبة المصرية.
إنكار أوصل المواطن (الذبيح) إلى حقيقة أننا نعيش قاعاً لم نبلغه لا في عصر الطوائف ولا جمهوريات الموز ولا شيوع القتل اليومي بين خلفاء وأمراء وأعلام وعلماء دين أو فقه أو سياسة أو فلك أو فلسفة أو اجتماع.
أخيراً وليس آخراً: أنكر أي علاقة لي بهذا المقال. إنه، والحق أقول لكم، من تدبير طرف ثالث، يسعى للإيقاع بيني وبين موقع "نيسان" الذي أكن له كل احترام وتقدير. أبحثوا عن هذا الطرف، ولكم مني وليمة أطراف وفوارغ ورؤوس باذخة.

نيسان ـ نشر في 2018-10-13 الساعة 18:23


رأي: محمد جميل خضر قاص واعلامي اردني

الكلمات الأكثر بحثاً