اتصل بنا
 

الذيبانيون الجدد

كاتب وباحث أردني - رئيس مجلس إدارة نماء للاستشارات الاستراتيجية

نيسان ـ نشر في 2018-11-27 الساعة 09:29

نيسان ـ كانت البداية حين ظهر صوت "الذيبانيون الجدد"، اوائل شهر كانون الثاني 2011، مطلقين حراكهم، من دون ان يخرجوا على القانون، بل تمتعوا بحس وطني مغلف باخلاق النبلاء والفرسان التي توارثوها عن أجدادهم الذين دُفنوا بكرامة الكفاف تحت ترابها الطاهر، قبل أن يكتشف كولومبس العالم الجديد، قبل نحو خمسة قرون.
كان خروجهم للشارع على مقربة من المقر المهدوم للملك ميشع الذيبوني ملك مؤاب، مطالبين بمحاربة الفساد،شاهرين رغيف خبز كُتب عليه "أين أنت يا عزيزي" في مظاهراتهم؛ تعبيراً عن قناعتهم بأن الفساد الاداري والسياسي في عمان هو السبب في سوء الحال الاقتصادي الذي يعانون منه ويتشاركون فيه مع بقية المناطق المهمشة اقتصاديا والمحرومة تنمويا.
آنذاك صدح صوتهم عالياًبأن عمان، مركز صنع السياسات العامة وتنفيذها،هي المسؤولة عن تردي الحال. ما يقوله النشطاء اليوم في ذيبان والكرك والطفيلة ومعان والمفرق وجرش والسلط يتطابق مع ما يقوله السياسيون العاملون والسابقون من ان سياسات عمان هي التي اوصلت البطالة الى 18.7% والمديونية الى نحو28 مليار دينار وتزداد.
وتحت مرآها تنامت ظاهرة الاتجار بالمخدرات وتعاطيها وطافت الأردن على سموم مطيع متظللة بغبار الفوسفات بينما يصارع بسطاء المواطنين اكوام النفايات في الطريق إلى مدارس ومراكز صحية يرضى فقط نحو نصف الاردنيين عن خدماتها. وبرعاية تمويلها المتناهي الصغر أصبحن الفقيرات من الأردنيات غارمات خلف القضبان او هائمات على وجوههن او مختبئات يترجفن رعباً وخشية من التنفيذ القضائي يبحثن عن قشة يتعلقن بها للنجاة من تلاطم امواج البؤس المضاعف.
وبتخطيط بعض وزراء تربيتها وتعليمها العالي درس البسطاء تخصصات مشبعة فقط لضمان استمرار شركات الجامعات الخاصة الربحية التي أجبرت بعض الاباء على بيع ما تبقى من أراضيهم بالبخس الزهيد لتسديد أقساط شهادات بلا مهارات ومن لم يفعل هم في عداد الغارمين والغارمات.
لم يُحرك هؤلاء الشباب بأغلبيتهم عداء للعرش أو خصومة معه، ولا نقص انتماء لتراب الوطن. حركتهم حميّة شريف، وقهر حر موجوع، ومُحس بخيبة أمل يرتجي حالا أحسن لمن حوله قبل أن يرتجيه لنفسه بايثار ونبل وفروسية يعرفها جيدا من يبر الأردن وأهله الأطياب، وينكرها حد الصفاقة المتعجرفون من طبقة العمالة الوافدة التي تستقر في الأردن عندما "تغتنم" السلطة لتُغرِّم من تتسلط عليه وتغادرها عندما تصدح الحناجر مرة أخرى "طفح الكيل" مرة أخرى كذلك وأيضاً دون محاسبة ولا مساءلة.
وعلى الرغم من بعض التعبيرات الخارجة عن هذا السياق الحراكي بمناصريه ومعارضيه،بقي الحراكيون بأغلبيتهم واضحي الهدف والرؤية، رافعين شعار محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وأضيفت شعارات أخرى حول الاصلاح السياسي.
الجوهر خلال هذه المسيرة هو لسان حال اغلبهم القائل إسمعوا لنا ودعونا نتحدث ونتحاور باحترام وكرامة كما فعل اسلافنا، لكي نصل بمركبنا جميعا إلى بر الأمان ونجعل الرياح تسير بما يشتهي شراع سفينتنا، كي لا نتركه عرضة لرياح غيرنا العاتية تأخذها بعاصفة لعتيق المرافئ ودسائسها ومؤامراتها.
الخطأ لا يُعالج بخطأ آخر، والمسيء يُسيء لنفسه أمام تسامح وترفُع المُساء له بغض النظر من يخاصم وأين ومع من وضد من يقف. لذلك فإن الاستمرار في اعتقال النشطاء السياسيين لن يحل مشكلة ضعف التنمية ولا التهميش ولن يعيد المتظاهرين لبيوتهم ولن يطفئ جمر الحراك المتقد تحت الرماد السميك في موقد خيمة ذيبان. إن ما يُعيد القطار لسكة الرُشد ويخفف الاحتقان، من حيث الأولوية، هو الافراج عن المعتقلين صبري المشاعلة ورفاقه، ووقف ملاحقة النشطاء بأرزاقهم، دعوهم يسعون في مناكبها ويعملون ويمرون بكرامة نحو السكينة.
الرهان معقود على رجاحة عقل ورزانة العديدين من صناع القرار والنشطاء المتزنين البارين بالاردن الذين يفكرون بهدوء وروّية وعقلانية وحنكة، ويضعون مصلحة الأردن وجميع الأردنيين، وليس مصالحهم هم ومصالح بعض الأردنيين الضيقة،نصب أعينهم بوصلة لوحدة الهدف ببناء برنامج تنموي إقتصادي وطني تكون ذيبان، كما عمان وغيرها، جزءا منه لا على هامشه.
يُعيد هذا البرنامج بناء هوية تنموية مركبة للمنطقة ترتكز على التكنولوجيا والسياحة والزراعة. يرتكز مسار التكنولوجيا على التوسع بتعليم تقنيات البرمجة واللغة الانجليزية في جميع مدارس المنطقة لانضاج مهارات رأس المال البشري اللازمة للانخراط في سوق العمل العالمي وليس فقط المحلي وتبدأ عملية موازيةبنسخ تجربة مركز الابداع في الكرك وخبرة المهندس حسام الطراونة وبناء حاضنة أعمال في الجامعة الامريكية في مادبا تبلور أفكار أبناء المنطقة لخدمتها وتساعدهم على خطى النهضة.
وفي مسار التطوير الزراعي يمكن الاعتماد على تدوير موارد المنطقة فيها مثل؛ إنشاء قناتي الهيدان الشرقية والغربية بضخ المياه (بالطاقة الشمسية بوضع الواحها على سطح مياه السد لمنع التبخر) بانابيب من سد الوالا على جانبي الوادي من الوالا ولغاية وادي الزرّاعة وصولا إلى قصيب والملاقي لري الأراضي التي هجرها أصحابها نتيجة ضعف البنية التحتية وشح المياه في الوادي بعد ضخها إلى عمان منذ منتصف التسعينات.
وضخ جزء من مياه سدي الموجب والوالا لري سهول ذيبان الشرقية والغربية لتنشيط وتطوير مهارات أهل المنطقة الزراعية وتوجيهها نحو تصدير ما خف وزنه وارتفع ثمنه وقل إستهلاكه للمياه بالشراكة مع رواد تكنولوجيا الزراعة والتسويق الزراعي. وبناء سد في منطقة الملاقي (التقاء سيلي الهيدان والموجب) لإحياء المنطقة زراعياً وسياحياً.
وفي مسار التطوير السياحي، دعم مبادرة رئيس بلدية ذيبان السيد عادل الجنادبة بتحويل توصيات مؤتمر السياحة الأول في ذيبان إلى مشاريع ضمن برنامج سياحي متكامل يشمل مسارات الحج المسيحي في مكاور وربطها بتل ذيبان، وأم الرصاص، وعراعر، وتطوير برامج السياحة البيئية والثقافية والزراعية لرفد إقتصاد المنطقة من خلال تنويع المنتجات السياحية المُكمّلة للبرامج السياحية الوطنية خصوصاً برامج المزارات الدينية مثل مقام رمز العدالة الاجتماعية ابو ذر الغفاري في السحيلة.
ويمكن للحكومة أن تحقق منجزات سريعة بتفعيل صناديق وزارة العمل المكتنزة بالاموال وتوجيهها لإنشاء مصنعين آخرين (فروع انتاجية) للألبسة بين لب وجبل بني حميدة وآخر في بلدة ذيبان على غرار مصنع الصافي في مليح الذي يُشغّل نحو 400 فتاة وشاب من أهل المنطقة.والاستعجال و تشجيع الشركات الصناعية لفتح فروع لمصانعها في المدينة الصناعية الجديدة في دليلة الحمايدة.
الغد

نيسان ـ نشر في 2018-11-27 الساعة 09:29


رأي: د. فارس بريزات كاتب وباحث أردني - رئيس مجلس إدارة نماء للاستشارات الاستراتيجية

الكلمات الأكثر بحثاً