اتصل بنا
 

أنا ورأس السنة والدجاجة الشهيرة...أين تسهر هذا المساء؟

أكاديمي وكاتب

نيسان ـ نشر في 2019-01-01 الساعة 16:11

نيسان ـ عندما سمعت أن السيدة نانسي عجرم ستحيي رأس السنة الميلادية في "بوليفارد" العبدلي وأن البطاقة تجاوزت مبلغ 350 دينار وان هناك إقبال منقطع النظير على الشراء، قررت أن ارحل في الذاكرة لاسترجع ذكرياتي مع رأس السنة الميلادية منذ عرفت أن هناك رأس وذيل للسنة ....
لا أحمل في ذاكرة الطفل التي تسكنني شيء يذكر عن الاحتفال برأس السنة في بلدتنا سوى أشياء بسيطة وعابرة ولكنها تختصر المشهد عن نظرتنا للحياة ونظرة البيئة التي نعيش...
لم تعتاد القرى والبلدات الأردنية وخاصة في الجنوب كونها موغلة في البعد وربما بعض المدن الاهتمام والتوقف كثيرا عند قدوم العام الميلادي الجديد، فالأجواء مربعانية وشديدة البرودة والقرى وأهلها ينامون مبكراً لان ليل الشتاء طويل والطقس بارد "بيقص العظم" أو حتى المسمار كما في المأثور من أحاديث الناس...
تمر ليلة رأس السنة بشكل عادي جداً باستثناء بعض الشباب وغالبيتهم يساريين أو متحزبين يبحثوا عن مكان آمن لدى احد الوافدين من المدرسين أو الموظفين من خارج البلدة أو شاب أعزب يعيش لوحده، قليل من النبيذ والبيبسي "الكزايز" زجاجات، فلم تكن العلب ظهرت إلا مع القادمين من السعودية،مع قليل من لحمة البلابيف أو لحمة الخاروف الصيني الشهيرة، أما من يعجز فعليه أن يولف الشبكة المنصوبة على خشبة "" مورينة طوبار" والمكونة من صحنين مثقوبين على التلفزيون العربي السوري فهناك سهرة والأكيد أن الإعلامية المتميزة عزة الشرع والإعلامي توفيق حلاق سينثرون غيمة العطر على المساء الأخير من العام ...
ربما يتم الإعداد للحدث التاريخي قبل أشهر فلابد من أخذ الاحتياطات اللازمة من ناحية التأخر عن العودة للدار فالأهل في القرى صارمون ويغلقون الأبواب بعد صلاة العشاء أو انتهاء برنامج المصارعة الذي يعتبر مؤشر مهم للنوم أما من يسهر فعليه أن ينتظر العلم على التلفزيون في الساعة 11.15...
بالنسبة لنا نحن الذين خلدوا للنوم مبكراً، نهرول إلى المدرسة التي تكون تستعد للامتحانات وبمجرد دخول الأستاذ يكتب على اللوح اليوم 1/1 من العام الجديد وطبعا بدون تهنئة...
أكثر ما يستفزني في ذلك اليوم الحزيرة او "الفزورة" التي رافقتني منذ أن كنت طفلا حتى الثانوية وهي أن رجلاً اشترى دجاجة واكلها في عامين... وطبعا كان بعضنا يعجز عن الإجابة رغم أن الحزيرة تتكرر كل عام ويكون الحل للسؤال المعقد أن من يشتري دجاجة في 31/12 يطبخها في 1/1 أي خلال عامين...
لاحقاً غادرت للدراسة في حلب في سوريا وكانت نقلة نوعية تماماً، فمن قرية بسيطة ومغلقة إلى مدينة تحمل أرثا حضارياً وثقافات متنوعة وحداثة في كل شيء والى شعب يتقن فن السهر والحياة والفرح...
سبقني إلى ذلك ابن عمي شفيق المحامي الآن وحضر لاحقا الخال مروان الطراونة. وكان اخبر مني بطبيعة الحال، وكنت اسمع وأشاهد أبناء مدينة حلب ويومها كان عدد سكانها يقترب من سكان الأردن وهم يستعدون للعام الجديد في سهرات حتى الصباح في الشوارع والمقاهي والملاهي والبيوت وبمجرد دخول الدقيقة الأولى يبدأ إطلاق الألعاب النارية والرصاص والأغاني وتظل السهرات حتى الصباح...
في تلك الأثناء تكون الامتحانات الجامعية حسب موعدها المحدد في 3/1... أحمل معي ما تيسر لي من المندلينا والبرتقال والخبز واخلد إلى سكني مع زملائي الأردنيين وأقوم بتحضير إبريق الشاي الذي يكفي لكتيبة عسكرية كاملة من ضخامة حجمه فالليل طويل ولدينا سهرة ولا ادري لماذا كنت مصر على إحضار الحمضيات حصراً للآن ... ربما لرخص سعرها... نتابع التلفزيون السوري وبثه المباشر من كل سوريا ونتراهن على أن أهلنا نائمون في سابع نومة...
لا زلت اذكر أن احد الزملاء الأردنيين وكان مستجد على العشق والحب يومها فقرر أن يسهر مع من يحب وعندما بادرت الحبيبة للاتصال مع أهلها في اللاذقية لتبارك بالعام الجديد بعد الساعة الثانية عشر ليلاً ، فتحمس قيس بن الملوح للاتصال مع الأهل في أحدى قرى الكرك النائية ليبارك "لبابا وماما" في مغامرة ومخاطرة استعراضية وكانت المفاجأة والمفاجعه عندما رد السيد الوالد وقد "فز" من سابع نومه ليرد على تهنئة الابن البار "سبعك يالهامل ولويش منت قاعد على قرايتك وكتبك لعنة الله على اللي خلفك"... هكذا استقبل صديقي العاشق العام الجديد...
تلك صفحة من طفولتنا وحياتنا القاسية والبائسة التي كانت على قطيعة مع الفرح والحياة والحب...
كانت حياتنا بسيطة ولكنها دافئة رغم برودة الطقس لان العائلة كانت لم تسرق بعد من الوات ساب والفيس بوك وكانت المندلينا أهم من السلمون والكافيار وربما تمنحنا السعادة أكثر ممن تمنحنا إياه حضور حفلة لنانسي أو هيفاء وبقية ألمجموعه...
سقالله على ذلك الزمن وعلى المندلينا ولحمة الخاروف الصيني وعلى حزيرة الدجاجة...
كل عام وانتم ووطننا وعالمنا العربي والإنسان على هذا الكوكب بخير وسلام...
لكن ما يحزنني في هذا اليوم الآن أنني لم ان أبدأ نهاري باطلالة أعظم سيدة في حياتي وهي الوالدة رحمها الله تعالى والتي هاجرت هجرتها الأخيرة قبل عامين كانت كأنما هي الدهر وأكثر...
اطال الله في اعماركم واعمار اهلكم واحبابكم..
كل عام وقادمات الأيام احلى وكل عام واوطاننا أجمل ....

نيسان ـ نشر في 2019-01-01 الساعة 16:11


رأي: د. زيد النوايسة أكاديمي وكاتب

الكلمات الأكثر بحثاً