لاستذكار أبنائهم.. العراقيون يحييون العيد في المقابر
نيسان ـ نشر في 2015-07-18 الساعة 15:18
لا يختلف عيد الفطر الحالي عن الأعياد السابقة في العراق، حيث لا مكان يشهد إقبالاً في بلاد الرافدين كالمقابر، التي تزدحم في أيام العيد بالناس القادمين لزيارة قبور ذويهم.
التفجيرات والحرب والقتل المتعمد من قبل المليشيات، زادت من مساحات المقابر التي راحت تتوسع على حساب الأراضي الزراعية والقرى والمدن القريبة منها، فقوافل جثث القتلى لا تفتأ تتوالى يومياً إلى المقابر، وزوارها لا ينقطعون في عادي الأيام، فما الحال في أيام العيد التي تعد عند العراقيين مناسبة لزيارة المقابر واستذكار موتاهم وقراءة القرآن على أرواحهم.
مصطفى حميد، الذي يعمل دفاناً في مقبرة الرصافة ببغداد منذ 25 عاماً، ما عاد يعرف الكثير عن مواقع الموتى الذين يدفنهم، في حين كان في السابق يحفظ عن ظهر غيب اسم المتوفى ومكانه وتاريخ وفاته ، والسبب كما يقول لـ"الخليج أونلاين" كثرة الموتى.
ويضيف حميد: "كان في السابق يرد إلى المقبرة نحو عشرة موتى في اليوم الواحد، وكان عددنا نحن أصحاب المهنة الرئيسيين 7 أشخاص، أما اليوم فأدفن أكثر من عشرة موتى أحياناً".
حميد يؤكد أن المعارك التي تدور في العراق والتصفيات الطائفية سبب هذا الارتفاع، لذلك "تشهد المقبرة خلال أيام العيد عشرات الآلاف من الزائرين، الذين يقبلون لزيارة قبور ذويهم" وفق قوله.
العراقيون عرفوا بطقوسهم في زيارة القبور، خاصة النساء اللاتي فقدن أولادهن، فيلجأن إلى إشعال البخور، ورش القبر بماء الورد والعطور، وزرعه بشتلات الآس، ووضع الحناء على أطرافه لمن كان عازباً في إشارة إلى حلم أمه بزواجه، هذا بالإضافة إلى قراءة القرآن وتوزيع الحلوى عند القبر والتصدق بالمال والملابس على الفقراء.
منيرة ساجد، التي قتلت المليشيات ولدها الشاب بشار، لا تكتفي بكل تلك الطقوس، بل تزيد عليها الكثير وهي تقضي ساعات طوالاً عند قبره أيام العيد، إذ تقص له أحوال العائلة، وأخبار أصدقائه، وتريه صور البيت وجميع أفراد الأسرة، إذ تحمل معها مجموعة كبيرة من الصور، كذلك تشتري له الملابس الجديدة وتضعها على قبره قبل أن تودعه.
تقول منيرة لـ"الخليج أونلاين": "يكفيني أني أشعر به سعيداً حين يراني وأجلس معه، كان في حياته يهتم بهندامه لذلك أشتري له ملابس العيد، أدرك جيداً أنه سيفرح بها".
مراسل "الخليج أونلاين" في تجواله داخل المقابر وثق ارتفاع نسبة الموتى من الشباب الذين كتب على قبورهم صفة الشهيد أو المغدور، ما يؤكد أن المتوفى مات مقتولاً، وتتراوح أعمار هؤلاء المقتولين بين 17 و35 عاماً.
وتعمد فاتن العبيدي، إلى قضاء أول أيام العيد في المقبرة؛ وذلك لزيارة قبر زوجها الشاب الذي قتلته المليشيات الطائفية أيضاً، بحسب قولها، قائلة لـ"الخليج اونلاين": "منذ الصباح الباكر أذهب برفقة أطفالي لنقضي يومنا مع زوجي ونحن نستذكر طقوس العيد حين كان حياً بيننا".
العبيدي تشير إلى أنها تلتقي بكثير من العوائل التي تأتي لزيارة قبور موتاها، وتؤكد أن أكثرهم قتلوا على يد المليشيات الطائفية، وتتساءل: "أي قانون أو تشريع منح المليشيات كل هذا الاستخفاف بحياة المواطنين الأبرياء؟ لماذا لا تحاسب المليشيات التي تفتك بحياة المئات من المواطنين؟".
العادة جرت كذلك أن تعلق صور الموتى الشباب على قبورهم، فهذا "الشهيد المغدور زيد نعمان الآلوسي ولد عام 1986"، وكتب تحت إحدى الصور "هنا يرقد الشهيد أحمد عادل 18 عام الذي قتل في حادث إجرامي"، وأخرى: "الشهيد عمر الجبوري قتل على يد الغدر"، وذيلت هذه المعلومات بصور للشباب القتلى علقت فوق قبورهم.
مقابر العراق صارت أشبه بمعرض للصور الشخصية، إذ يقول علاء مشعل، وهو يتجول بين القبور لزيارة ثلاثة من أصدقائه المقربين، الذين قتلوا بين عامي 2010 و2014 على يد المليشيات: "إنهم كانوا شباباً جامعيين يحلمون بالتخرج في الجامعة، وإكمال دراستهم العليا، ليس لهم هم سوى تفوقهم، وأرى من واجبي أن أزورهم في العيد وأتلو على أرواحهم آيات من القرآن".


