الخصخصة أم مشاركة القطاع الخاص*
نيسان ـ نشر في 2019-09-15 الساعة 17:19
نيسان ـ د. حازم الناصر
رئیس منتدى الشرق الأوسط للمیاه
وزیر المیاه والري السابق / الأردن
وزیر الزراعة السابق / الأردن
عضو سابق في البرلمان الأردني
التاریخ: سبتمبر 2019
منشورات منتدى الشرق الأوسط للمیاه
لا تزال الغالبیة العظمى من مرافق المیاه في العالم العربي تدار من قبل الحكومات او مرافق المیاه التابعة لها مثل الوزارات ومؤسسات المیاه والشركات العامة. وقد حاولت المنظمات الدولیة والخبراء الاستشاریون ومصارف التمویل الدولیة على مدى السنوات العشرین الماضیة تشجیع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص والتي تضم خصخصة مرافق المیاه مع دعم أقل لمشاركة القطاع الخاص ویرجع ذلك أساسا إلى السیاسة الطویلة الأجل المتصلة باستبعاد او اخراج تعرفة المیاه من أیدي الحكومات ضمن برامج التصحیح الاقتصادي التي یرعاها صندوق النقد الدولي وینفذها البنك الدولي بالتعاون مع الدول المانحة والممولین الدولیین.
ومن أجل التمییز بین مشاركة القطاع الخاص والخصخصة في هذا المقال، فقد تم وضع المصطلحین في مجموعتین تحت الإطار العام للشراكة ما بین القطاع العام والخاص (PPP :(المجموعة الأولى والتي تمثل مشاركة القطاع الخاص (PSP ،(حیث تبقى ملكیة الأصول في أیدي الحكومات أو القطاع العام ویتم التعاقد مع القطاع الخاص للقیام باعمال نیابة عن الحكومات ومرافق المیاه العامة. اما المجموعة الثانیة او ما یسمى بالخصخصة فیتم نقل الملكیة كاملة او بشكل جزئي إلى القطاع الخاص بما في ذلك الأصول والتملك والتحكم الكلي بالمرفق. ومن الامثلة المعروفة من النوع الأول (
PSP (العقود المیكرویة او الصغیرة لجمع الفواتیر وقراءة عدادات المیاه، وعقود الخدمة لتشغیل محطات تحلیة المیاه والصرف الصحي وعقود إدارة المیاه للمرافق العامة.
ویشمل النوع الثاني (Privatization (حقوق الامتیاز (Concessions (وال BOO) البناء والتملك والتشغیل) و BOOT) البناء والتشغیل ونقل الملكیة) والشركات المختلطة وغیرها من نماذج التملك بما فیها عقود الایجار طویلة الامد. ولتسهیل الامر على القارئ فقد تم استخدام مصطلح ثالث " الشراكة ما بین القطاع العام والخاص" لیشمل النوعین أعلاه.
ومن ناحیة أخرى، فإن خصخصة مرافق المیاه والبنى التحتیة الأساسیة للمیاه والصرف الصحي تعتبر عملیة في غایة التعقید تنطوي على مخاطر سیاسیة واجتماعیة، وفي حال عدم الاعداد الجید وعدم الشفافیة، فمن الممكن ان تنطوي على سیاسیا على مستوى مخاطر مالیة كبیرة تؤثر على موازنات الدول لسنوات طویلة. وعادة ما تكون الخصخصة قرارا
الدولة ولیس على مستوى الوزارات او مؤسسات المیاه العاملة في القطاع، الا انه وفي معظم الحالات تتطلب الخصخصة تغییر القوانین والتي تحتاج الى تكاتف وموافقة العدید من مؤسسات الدول. ولا بد من الإشارة هنا انه وفي حالة الاقتناع بجدوى الشراكة مع القطاع الخاص ولضمان نجاح أي من النوعین او بشكل عام الشراكة ما بین القطاع العام والخاص، فلا بد ان یواكب عملیة الشراكة برامج لتوعیة المواطنین قبل الشروع باي من مشاریعها وشرح الأسباب الموجبة والضرورة التي جعلت أصحاب القرار المضي او القبول بها. الا انه وبنفس الوتیرة لا بد من توعیة موظفي القطاع العام (البیروقراط) على كیفیة التعامل مع إجراءات الشراكة ما بین القطاع العام والخاص حتى لا یكونوا معطلین في ظل شفافیة الإجراءات.في هذه المقالة تم استخدم ثلاث مصطلحات مختلفة: الشراكة ما بین القطاع العام وتشمل الخصخصة ومشاركة القطاع :*الخاصویعتبر كلا النوعین من الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وسیلة لتعزیز الكفاءة أو بعبارة أخرى خفض التكالیفوالخسائر المالیة وصیانة الأصول واستدامتها. وتعتبر الخصخصة أداة لاستقطاب أموال واستثمارات القطاع الخاص فيظل الازمات المالیة التي تعاني منها موازنات الكثیر من الدول وتتیح في حال التخطیط المالي الجید والمدروس اتاحةوضرورة والتي من الصعب تنفیذها من قبل القطاعالموارد المالیة الأخرى للدولة لتنفیذ مشاریع هامة وأكثر الحاحاالخاص اما لعدم جدواها الاقتصادیة او لحساسیتها السیاسیة. ویبقى الموضوع بید الحكومات من حیث توخي الدقة فياختیار المشروع المنوي تنفیذه من قبل الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وفي جمیع الأحوال لا بد من الابتعاد عنخصخصة شبكات المیاه أو مصادر المیاه الرئیسیة والتي اثبتت فشلها من الارجنتین الى الفلبین.وقد اظهرت النتائج والدروس المستفادة من جمیع أنحاء العالم حول نجاعة كلا النوعین من الشراكة ما بین القطاع العاموالخاص نتائج متباینة، فقد ثبت انه لیس بالضرورة ان یكون القطاع الخاص دائما أكثر كفاءة من القطاع العام او القطاعالخاص الدولي أفضل من الوطني، كما وان العدید من مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص لم تحقق نتائجها كماكان متوقعا ویعزى ذلك الى رداءة الحاكمیة الرشیدة او ضعف الأطر القانونیة. وعادة ما تكون شركات القطاع الخاص اكثر استعدادا للجانب القانوني في عقود الشراكة مع الحكومات، الا ما قل وندر.وفیما یتعلق بمنطقتنا، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا وهي المنطقة التي تعتبر الأكثر ندرة في المیاه في العالم،حیث یوجد 17 بلدا تحت خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة، وتقل كذلك مواردها المائیة المتجددة المتاحة بستةأضعاف عن المتوسط العالمي. بالإضافة الى انها تعاني من اختلالات هیكلیك كبیرة وعمیقة منها على سبیل المثال فاقدوالذي یعادل حجم البحر المیت بأكمله، مما یجعل منطقتناالمیاه من الشبكات والذي یتراوح ما بین ٤٠-٥٠ ٪سنویاصاحبة المعدل الأكبر من حیث فاقد المیاه الفني والمالي على هذا الكوكب. كما وان كفاءة تقدیم الخدمات مع ارتفاع فاقدالمیاه متدنیة وتعتبر مرافق المیاه الأقل تطورا مع بعض الاستثناءات مثل دبي وتونس والاردن. كما وان المشاكل الهیكلیةالمتعلقة باسترداد الكلف والقدرة على تحمل الكلف الرأسمالیة المرتفعة نسبیا لتنمیة الموارد المائیة الشحیحة وعدم الكفاءةوالفدرة على إدارة الأصول وصیانتها، یجعل الاستثمار الحكومي المطلوب من موازنات الدول یتجاوز القدرة المالیةلمعظم البلدان باستثناء الدول العربیة الغنیة بالنفط. ولعل هذه الأسباب هي التي اجرت العدید من الحكومات الى التوجهعن الاستثمار او لطلب الكفاءة.للشراكة ما بین القطاع العام والخاص اما بحثاونتیجة لذلك، فقد دخلت المرافق العامة للمیاه والصرف الصحي ودولها في المنطقة العربیة والشرق الأوسط بشكل عامحقبة حاسمة من حیث خطورة الأمن المائي والتنمیة المستدامة لمواردها المائیة على المدى الطویل، وبالتالي علیها أنتقرر، إذا ما كان بإمكانها تحسین أدائها بشكل كبیر وعاجل مع البقاء في القطاع العام أو ما إذا كان ینبغي علیها أن تسعىإلى زیادة مشاركة القطاع الخاص في كل من عملیات تنفیذ المشاریع وتشغیلها وتمویلها. وعلى الرغم من أن عددا قلیلامن شركات المیاه العامة تظهر سجلا جیدا في الأداء، فإن أداء معظمها ضعیف، ویعزى ذلك جزئیا إلى التدخل المفرطفي عملیاتها الیومیة والسیاسات المالیة المتخبطة. ومن المرجح والممكن أن تؤدي مشاركة القطاع الخاص على نطاقأوسع إلى تحسین الكفاءة التشغیلیة وجذب التمویل الخاص وتحسین كفاءة الاستثمار مع الإبقاء على الاهتمامات الوطنیةوالابتعاد عن مشاركة القطاع الخاص في المشاریع التي تثیر حساسیة سیاسیة او بعد اجتماعي-اقتصادي ذو طبیعةخاصة.متأخرتان مقارنة مع باقي مناطق العالم من حیثوعلى الرغم مما سبق، لا تزال المنطقة العربیة والشرق الأوسط عموماعدد وحجم مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وخاصة في مجال المیاه والصرف الصحي، كما یتضح منالشكل والبیانات الواردة ادناه والتي نشرها البنك الدولي في العام ٢٠١٨.
ویبقى السؤال: لماذا تتردد المنطقة العربیة في التحرك بقوة أكبر نحوا الشراكة ما بین القطاع العام والخاص بنوعیهاالخصخصة ومشاركة القطاع الخاص. الجواب بسیط، كلا النوعین من مشاركة القطاع الخاص یتطلب حاكمیة رشیدةجیدة والتي من المعروف انها غیر جیدة وردیئة في معظم أنحاء بلدان الشرق الأوسط وشمال أفریقیا. وبالإضافة إلىذلك، فإن التصور او الفكرة المأخوذة في ثقافتنا عن الشراكة ما بین القطاع العام والخاص ترتبط دائما بالفساد وانعدامالشفافیة وهیمنة الشركات الاجنبیة وهذا الذي یتطلب الكثیر من الوعي العام والتثقیف. كما ان تنفیذ مشاریع المشاركةیتطلب وقتا طویلا وخاصة الجانب المتعلق بالغلق المالي والذي ینظر له السیاسیون انه انجاز مستقبلي للغیر ولیس لهذهالحكومة وبالتالي یقل الاهتمام والرعایة.الا ان قرار الدخول في مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص یبق رهینة للعدید من العوامل التي تأخذ بعینالاعتبار من قبل السیاسیین والحكومات ومؤسسات المیاه وهذه العوامل تسهم الى حد كبیر في عدم الاقبال او الدفع باتجاهالدخول في مشاریع الشراكة ومنها على سبیل المثال مسألة استرداد الكلف أو بعبارة أخرى قرار تعرفة المیاه لما له منحساسیة سیاسیة واجتماعیة كبیرة للغایة والمسألة العامة وعملیة إدارة وإجراءات إحالة مشاریع الشراكة بما في ذلكالشفافیة وتغییر التشریعات والكلف المترتبة علیها على المدى الطویل وغیرها.وإذا ما اخذنا بعین الاعتبار العوامل والتحدیات والمعیقات سابقة الذكر وبالأخص ان ازمة المیاه أصبحت على الأبوابولا بد من رفع كفاءة ادارتها والمحافظة على أصول البنیة التحتیة الحالیة وبنفس الوقت جلب تمویل إضافي من القطاعلمنطقتنا؟الخاص، ویبقى السؤال: ما الذي من الممكن ان یكون مناسبابدایة وقبل كل شيء، علینا أن نمیز بین البلدان الغنیة بالنفط وبقیة بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا. فالبلدانالغنیة بالنفط وبشكل عام تتمیز نسبیا بإدارة جیدة للمیاه ودور وسیادة القانون أفضل من غیرها والتمویل التقلیدي متوفربشكل أفضل نسبیا من بقیة المنطقة العربیة، كما وان الحساسیة السیاسیة لزیادة التعرفة المائیة لیست شدیدة كما هوالحال في بقیة دول المنطقة العربیة. ولذلك یلاحظ ان مشاریع الخصخصة تعمل بشكل أفضل وعددها أكبر وكما والحالفي معظم مشاریع محطات تحلیة المیاه في المملكة العربیة السعودیة والإمارات العربیة المتحدة. ومن الأمثلة الجیدةالأخرى كذلك محطة الصلیبیة لمعالجة میاه الصرف الصحي في الكویت. اما مشاریع مشاركة القطاع الخاص، فهناكمئات من الأمثلة على عقود التشغیل والصیانة وعقود الادارة والشركات المشتركة، والتي یبدو أنها تعمل بشكل جید علىالرغم من ارتفاع قیمة العقود في بعض الحالات.اما بقیة الدول العربیة مثل الأردن ومصر وتونس والمغرب والعراق، الخ، فلا بد من التوجه التدریجي نحو مشاریعالشراكة، ولیس القفز مرة واحدة دون ان تكون البنیة المؤسسیة لمرافق المیاه متهیئة للدخول بها. فمن الممكن البدءبمشاریع استشاریة للانتفال من المعایر المحاسبیة الحكومیة الى التجاریة وإدخال مبادئ استرداد الكلف ولو جزئیا مثلكلف التشغیل والصیانة. كما أن مثل هذه العقود الاستشاریة ستمهد الطریق لجمع بیانات أكثر دقة عن العملاء وإدخالنظم المعلومات الجغرافیة، وتغییر العدادات وخاصة لكبار المستهلكین بعدادات ذكیة وانظمتها المتكاملة وانظمة الفواتیروبناء القدرات وما إلى ذلك.اما الخطوة التالیة فهي الانتقال للاستعانة بمصادر خارجیة وطنیة او دولیة لخدمات العملیات الصغیرة مثل الفوترة وعقودالتشغیل والصیانة لمحطات معالجة میاه الصرف الصحي ومحطاتتحلیة المیاه. ان هذه الاعمال التحضیریة ستمكنالوزارات ومؤسسات المیاه الانتقال بثقة وقوة مؤسسیة إلى المزید من عقود الإدارة والخدمات بالشراكة مع القطاعالخاص. اما في حال ان توفرت الحاجة للتمویل من قبل القطاع الخاص جنبا الى جنب مع رفع الكفاءة ونقل التكنولوجیاهو القاعدة في هذه البلدان، فلا بد من الانتقال التدریجي إلى عقود البناء والتشغیل ونقل الملكیة، شریطة ان تكون هذهالمشاریع لیست ذو حساسیة سیاسیة لقضایا تعرفة المیاه كما هو الحال في مشاریع الصرف الصحي وتتطلب حاكمیةرشیدة بشكل رئیسي على مستوى المشروع.حاولت في هذه المقالة تسلیط الضوء على ما یناسب منطقتنا من مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاصوسوف نتترك الباب مفتوحا لمزید من المناقشات من خبراء المیاه في جمیع أنحاء منطقتنا من خلال صفحات منتدىالشرق الأوسط للمیاه.
رئیس منتدى الشرق الأوسط للمیاه
وزیر المیاه والري السابق / الأردن
وزیر الزراعة السابق / الأردن
عضو سابق في البرلمان الأردني
التاریخ: سبتمبر 2019
منشورات منتدى الشرق الأوسط للمیاه
لا تزال الغالبیة العظمى من مرافق المیاه في العالم العربي تدار من قبل الحكومات او مرافق المیاه التابعة لها مثل الوزارات ومؤسسات المیاه والشركات العامة. وقد حاولت المنظمات الدولیة والخبراء الاستشاریون ومصارف التمویل الدولیة على مدى السنوات العشرین الماضیة تشجیع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص والتي تضم خصخصة مرافق المیاه مع دعم أقل لمشاركة القطاع الخاص ویرجع ذلك أساسا إلى السیاسة الطویلة الأجل المتصلة باستبعاد او اخراج تعرفة المیاه من أیدي الحكومات ضمن برامج التصحیح الاقتصادي التي یرعاها صندوق النقد الدولي وینفذها البنك الدولي بالتعاون مع الدول المانحة والممولین الدولیین.
ومن أجل التمییز بین مشاركة القطاع الخاص والخصخصة في هذا المقال، فقد تم وضع المصطلحین في مجموعتین تحت الإطار العام للشراكة ما بین القطاع العام والخاص (PPP :(المجموعة الأولى والتي تمثل مشاركة القطاع الخاص (PSP ،(حیث تبقى ملكیة الأصول في أیدي الحكومات أو القطاع العام ویتم التعاقد مع القطاع الخاص للقیام باعمال نیابة عن الحكومات ومرافق المیاه العامة. اما المجموعة الثانیة او ما یسمى بالخصخصة فیتم نقل الملكیة كاملة او بشكل جزئي إلى القطاع الخاص بما في ذلك الأصول والتملك والتحكم الكلي بالمرفق. ومن الامثلة المعروفة من النوع الأول (
PSP (العقود المیكرویة او الصغیرة لجمع الفواتیر وقراءة عدادات المیاه، وعقود الخدمة لتشغیل محطات تحلیة المیاه والصرف الصحي وعقود إدارة المیاه للمرافق العامة.
ویشمل النوع الثاني (Privatization (حقوق الامتیاز (Concessions (وال BOO) البناء والتملك والتشغیل) و BOOT) البناء والتشغیل ونقل الملكیة) والشركات المختلطة وغیرها من نماذج التملك بما فیها عقود الایجار طویلة الامد. ولتسهیل الامر على القارئ فقد تم استخدام مصطلح ثالث " الشراكة ما بین القطاع العام والخاص" لیشمل النوعین أعلاه.
ومن ناحیة أخرى، فإن خصخصة مرافق المیاه والبنى التحتیة الأساسیة للمیاه والصرف الصحي تعتبر عملیة في غایة التعقید تنطوي على مخاطر سیاسیة واجتماعیة، وفي حال عدم الاعداد الجید وعدم الشفافیة، فمن الممكن ان تنطوي على سیاسیا على مستوى مخاطر مالیة كبیرة تؤثر على موازنات الدول لسنوات طویلة. وعادة ما تكون الخصخصة قرارا
الدولة ولیس على مستوى الوزارات او مؤسسات المیاه العاملة في القطاع، الا انه وفي معظم الحالات تتطلب الخصخصة تغییر القوانین والتي تحتاج الى تكاتف وموافقة العدید من مؤسسات الدول. ولا بد من الإشارة هنا انه وفي حالة الاقتناع بجدوى الشراكة مع القطاع الخاص ولضمان نجاح أي من النوعین او بشكل عام الشراكة ما بین القطاع العام والخاص، فلا بد ان یواكب عملیة الشراكة برامج لتوعیة المواطنین قبل الشروع باي من مشاریعها وشرح الأسباب الموجبة والضرورة التي جعلت أصحاب القرار المضي او القبول بها. الا انه وبنفس الوتیرة لا بد من توعیة موظفي القطاع العام (البیروقراط) على كیفیة التعامل مع إجراءات الشراكة ما بین القطاع العام والخاص حتى لا یكونوا معطلین في ظل شفافیة الإجراءات.في هذه المقالة تم استخدم ثلاث مصطلحات مختلفة: الشراكة ما بین القطاع العام وتشمل الخصخصة ومشاركة القطاع :*الخاصویعتبر كلا النوعین من الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وسیلة لتعزیز الكفاءة أو بعبارة أخرى خفض التكالیفوالخسائر المالیة وصیانة الأصول واستدامتها. وتعتبر الخصخصة أداة لاستقطاب أموال واستثمارات القطاع الخاص فيظل الازمات المالیة التي تعاني منها موازنات الكثیر من الدول وتتیح في حال التخطیط المالي الجید والمدروس اتاحةوضرورة والتي من الصعب تنفیذها من قبل القطاعالموارد المالیة الأخرى للدولة لتنفیذ مشاریع هامة وأكثر الحاحاالخاص اما لعدم جدواها الاقتصادیة او لحساسیتها السیاسیة. ویبقى الموضوع بید الحكومات من حیث توخي الدقة فياختیار المشروع المنوي تنفیذه من قبل الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وفي جمیع الأحوال لا بد من الابتعاد عنخصخصة شبكات المیاه أو مصادر المیاه الرئیسیة والتي اثبتت فشلها من الارجنتین الى الفلبین.وقد اظهرت النتائج والدروس المستفادة من جمیع أنحاء العالم حول نجاعة كلا النوعین من الشراكة ما بین القطاع العاموالخاص نتائج متباینة، فقد ثبت انه لیس بالضرورة ان یكون القطاع الخاص دائما أكثر كفاءة من القطاع العام او القطاعالخاص الدولي أفضل من الوطني، كما وان العدید من مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص لم تحقق نتائجها كماكان متوقعا ویعزى ذلك الى رداءة الحاكمیة الرشیدة او ضعف الأطر القانونیة. وعادة ما تكون شركات القطاع الخاص اكثر استعدادا للجانب القانوني في عقود الشراكة مع الحكومات، الا ما قل وندر.وفیما یتعلق بمنطقتنا، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا وهي المنطقة التي تعتبر الأكثر ندرة في المیاه في العالم،حیث یوجد 17 بلدا تحت خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة، وتقل كذلك مواردها المائیة المتجددة المتاحة بستةأضعاف عن المتوسط العالمي. بالإضافة الى انها تعاني من اختلالات هیكلیك كبیرة وعمیقة منها على سبیل المثال فاقدوالذي یعادل حجم البحر المیت بأكمله، مما یجعل منطقتناالمیاه من الشبكات والذي یتراوح ما بین ٤٠-٥٠ ٪سنویاصاحبة المعدل الأكبر من حیث فاقد المیاه الفني والمالي على هذا الكوكب. كما وان كفاءة تقدیم الخدمات مع ارتفاع فاقدالمیاه متدنیة وتعتبر مرافق المیاه الأقل تطورا مع بعض الاستثناءات مثل دبي وتونس والاردن. كما وان المشاكل الهیكلیةالمتعلقة باسترداد الكلف والقدرة على تحمل الكلف الرأسمالیة المرتفعة نسبیا لتنمیة الموارد المائیة الشحیحة وعدم الكفاءةوالفدرة على إدارة الأصول وصیانتها، یجعل الاستثمار الحكومي المطلوب من موازنات الدول یتجاوز القدرة المالیةلمعظم البلدان باستثناء الدول العربیة الغنیة بالنفط. ولعل هذه الأسباب هي التي اجرت العدید من الحكومات الى التوجهعن الاستثمار او لطلب الكفاءة.للشراكة ما بین القطاع العام والخاص اما بحثاونتیجة لذلك، فقد دخلت المرافق العامة للمیاه والصرف الصحي ودولها في المنطقة العربیة والشرق الأوسط بشكل عامحقبة حاسمة من حیث خطورة الأمن المائي والتنمیة المستدامة لمواردها المائیة على المدى الطویل، وبالتالي علیها أنتقرر، إذا ما كان بإمكانها تحسین أدائها بشكل كبیر وعاجل مع البقاء في القطاع العام أو ما إذا كان ینبغي علیها أن تسعىإلى زیادة مشاركة القطاع الخاص في كل من عملیات تنفیذ المشاریع وتشغیلها وتمویلها. وعلى الرغم من أن عددا قلیلامن شركات المیاه العامة تظهر سجلا جیدا في الأداء، فإن أداء معظمها ضعیف، ویعزى ذلك جزئیا إلى التدخل المفرطفي عملیاتها الیومیة والسیاسات المالیة المتخبطة. ومن المرجح والممكن أن تؤدي مشاركة القطاع الخاص على نطاقأوسع إلى تحسین الكفاءة التشغیلیة وجذب التمویل الخاص وتحسین كفاءة الاستثمار مع الإبقاء على الاهتمامات الوطنیةوالابتعاد عن مشاركة القطاع الخاص في المشاریع التي تثیر حساسیة سیاسیة او بعد اجتماعي-اقتصادي ذو طبیعةخاصة.متأخرتان مقارنة مع باقي مناطق العالم من حیثوعلى الرغم مما سبق، لا تزال المنطقة العربیة والشرق الأوسط عموماعدد وحجم مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص وخاصة في مجال المیاه والصرف الصحي، كما یتضح منالشكل والبیانات الواردة ادناه والتي نشرها البنك الدولي في العام ٢٠١٨.
ویبقى السؤال: لماذا تتردد المنطقة العربیة في التحرك بقوة أكبر نحوا الشراكة ما بین القطاع العام والخاص بنوعیهاالخصخصة ومشاركة القطاع الخاص. الجواب بسیط، كلا النوعین من مشاركة القطاع الخاص یتطلب حاكمیة رشیدةجیدة والتي من المعروف انها غیر جیدة وردیئة في معظم أنحاء بلدان الشرق الأوسط وشمال أفریقیا. وبالإضافة إلىذلك، فإن التصور او الفكرة المأخوذة في ثقافتنا عن الشراكة ما بین القطاع العام والخاص ترتبط دائما بالفساد وانعدامالشفافیة وهیمنة الشركات الاجنبیة وهذا الذي یتطلب الكثیر من الوعي العام والتثقیف. كما ان تنفیذ مشاریع المشاركةیتطلب وقتا طویلا وخاصة الجانب المتعلق بالغلق المالي والذي ینظر له السیاسیون انه انجاز مستقبلي للغیر ولیس لهذهالحكومة وبالتالي یقل الاهتمام والرعایة.الا ان قرار الدخول في مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاص یبق رهینة للعدید من العوامل التي تأخذ بعینالاعتبار من قبل السیاسیین والحكومات ومؤسسات المیاه وهذه العوامل تسهم الى حد كبیر في عدم الاقبال او الدفع باتجاهالدخول في مشاریع الشراكة ومنها على سبیل المثال مسألة استرداد الكلف أو بعبارة أخرى قرار تعرفة المیاه لما له منحساسیة سیاسیة واجتماعیة كبیرة للغایة والمسألة العامة وعملیة إدارة وإجراءات إحالة مشاریع الشراكة بما في ذلكالشفافیة وتغییر التشریعات والكلف المترتبة علیها على المدى الطویل وغیرها.وإذا ما اخذنا بعین الاعتبار العوامل والتحدیات والمعیقات سابقة الذكر وبالأخص ان ازمة المیاه أصبحت على الأبوابولا بد من رفع كفاءة ادارتها والمحافظة على أصول البنیة التحتیة الحالیة وبنفس الوقت جلب تمویل إضافي من القطاعلمنطقتنا؟الخاص، ویبقى السؤال: ما الذي من الممكن ان یكون مناسبابدایة وقبل كل شيء، علینا أن نمیز بین البلدان الغنیة بالنفط وبقیة بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا. فالبلدانالغنیة بالنفط وبشكل عام تتمیز نسبیا بإدارة جیدة للمیاه ودور وسیادة القانون أفضل من غیرها والتمویل التقلیدي متوفربشكل أفضل نسبیا من بقیة المنطقة العربیة، كما وان الحساسیة السیاسیة لزیادة التعرفة المائیة لیست شدیدة كما هوالحال في بقیة دول المنطقة العربیة. ولذلك یلاحظ ان مشاریع الخصخصة تعمل بشكل أفضل وعددها أكبر وكما والحالفي معظم مشاریع محطات تحلیة المیاه في المملكة العربیة السعودیة والإمارات العربیة المتحدة. ومن الأمثلة الجیدةالأخرى كذلك محطة الصلیبیة لمعالجة میاه الصرف الصحي في الكویت. اما مشاریع مشاركة القطاع الخاص، فهناكمئات من الأمثلة على عقود التشغیل والصیانة وعقود الادارة والشركات المشتركة، والتي یبدو أنها تعمل بشكل جید علىالرغم من ارتفاع قیمة العقود في بعض الحالات.اما بقیة الدول العربیة مثل الأردن ومصر وتونس والمغرب والعراق، الخ، فلا بد من التوجه التدریجي نحو مشاریعالشراكة، ولیس القفز مرة واحدة دون ان تكون البنیة المؤسسیة لمرافق المیاه متهیئة للدخول بها. فمن الممكن البدءبمشاریع استشاریة للانتفال من المعایر المحاسبیة الحكومیة الى التجاریة وإدخال مبادئ استرداد الكلف ولو جزئیا مثلكلف التشغیل والصیانة. كما أن مثل هذه العقود الاستشاریة ستمهد الطریق لجمع بیانات أكثر دقة عن العملاء وإدخالنظم المعلومات الجغرافیة، وتغییر العدادات وخاصة لكبار المستهلكین بعدادات ذكیة وانظمتها المتكاملة وانظمة الفواتیروبناء القدرات وما إلى ذلك.اما الخطوة التالیة فهي الانتقال للاستعانة بمصادر خارجیة وطنیة او دولیة لخدمات العملیات الصغیرة مثل الفوترة وعقودالتشغیل والصیانة لمحطات معالجة میاه الصرف الصحي ومحطاتتحلیة المیاه. ان هذه الاعمال التحضیریة ستمكنالوزارات ومؤسسات المیاه الانتقال بثقة وقوة مؤسسیة إلى المزید من عقود الإدارة والخدمات بالشراكة مع القطاعالخاص. اما في حال ان توفرت الحاجة للتمویل من قبل القطاع الخاص جنبا الى جنب مع رفع الكفاءة ونقل التكنولوجیاهو القاعدة في هذه البلدان، فلا بد من الانتقال التدریجي إلى عقود البناء والتشغیل ونقل الملكیة، شریطة ان تكون هذهالمشاریع لیست ذو حساسیة سیاسیة لقضایا تعرفة المیاه كما هو الحال في مشاریع الصرف الصحي وتتطلب حاكمیةرشیدة بشكل رئیسي على مستوى المشروع.حاولت في هذه المقالة تسلیط الضوء على ما یناسب منطقتنا من مشاریع الشراكة ما بین القطاع العام والخاصوسوف نتترك الباب مفتوحا لمزید من المناقشات من خبراء المیاه في جمیع أنحاء منطقتنا من خلال صفحات منتدىالشرق الأوسط للمیاه.


