اتصل بنا
 

القبول الجامعي والعلاج بالصدمة

أكاديمي أردني

نيسان ـ نشر في 2020-10-01 الساعة 17:46

نيسان ـ 1
خرج علينا مجلس التعليم العالي بقرارات مفاجئة تتعلق بنظام القبول في الجامعات، من المتوقع تطبيقها ابتداء من السنة القادمة، والقراءة الأولى لهذا النظام تكشف البون الشاسع بين النظرية والتطبيق، وخطورة انزال وصفة جاهزة على واقع لا تتوافر فيه الحد الأدنى من الشروط الموضوعية لتحقيقه.
2
من المعروف أن مخرجات التعليم العام هي مدخلات التعليم العالي، وقد عانى التعليم العام من اهمال وضعف، منذ أكثر من عقدين، وبدأت تظهر مؤشرات هذا الاهمال والتراجع من خلال الاختبارات الوطنية(ضبط النوعية، الثانوية العامة)، والاختبارات الدولية(البيزا والتيمس). وتراجع كفاءة المخرجات النوعية بشكل عام.
3
كما عانى التعليم من الاصلاحات الجزئية، والوصفات الجاهزة التي شوهت بنيته، حيث أصبحت مدارسنا وطلبتنا حقل تجارب لأفكار وبرامج قصيرة، لم نلمس لها أثرا، في غياب تصور علمي استراتيجي مبني على فهم طبيعة التحديات التي يعانيها نظامنا التعليمي، كما غابت تماما الحوارات حول كل القرارات التي اتخذت، والتي شابها الارتجال، والرؤية الفردية.
4
إنّ الذهاب الى تطبيق النظام الجديد للقبول كما أعلن عنه، دون حوارات مع كافة المعنيين من الجامعات، ووزارة التربية، وأصحاب الرأي، والخبراء، والمجتمع، سيعني أن الفشل سيكون من جديد هو النتيجة المتوقعة لتطبيق هذه الأفكار، التي ستشكل قفزة غير مدروسة، مع ما سيرافق ذلك من ارباك للمجتمع ومؤسسات التعليم العام والعالي. وقد سبق وأن فشل قرار السنة التحضيرية التجريبي، والذي فرض على الجامعات(المستقلة) نظريا، وتم الغاؤه حتى دون ابداء الأسباب، وهو دليل على حضور الرؤية الفردية، وعدم إخضاع القرارات لنقاشات حقيقية.
5
إن أي تطوير لمنظومة القبول الجامعي، - والتي تحتاج فعلا لتطوير-، لا بد أن تسبقه مقدمات واجراءات على مستوى التعليم العام، يأتي في مقدمتها إصلاح هذا التعليم وتجويد مخرجاته، التي تمثل مدخلات التعليم العالي، وهذا يتطلب خطة استراتيجية حقيقة وشاملة وتكاملية وواقعية وقابلة للقياس، في مدى عشرة سنوات، مع رصد الموارد البشرية والمالية الكافية لها.
6
إن الذهاب إلى تطبيق النظام الجديد فيه انحياز اجتماعي طبقي صارخ، وسيحرم مئات آلاف الطلبة من تحقيق طموحهم في اختيار ما يرغبون دراسته، نظرا لغياب العدالة وتكافؤ الفرص، والتفاوت الهائل بين مدارس الوزارة، ومدارس القطاع الخاص، وخاصة مدارس “النخبة”، التي لا يستطيع دخولها سوى قلة من أبناء الموسرين، والقادرين في ظل النظام الجديد على النجاح والتفوق، والسطو على نصيب غالبية الطلبة، التي تعاني مدارسهم من ظروف صعبة، تنعكس بالتأكيد على مستوى التعليم وجودته، وقدرة خريجيه على المنافسة غير العادلة.
7
فالجميع يعلم - بما فيهم أعضاء مجلس التعليم العالي- أن مدارسنا على مستوى البنية الفيزيائية، وأوضاع المعلمين المادية، وضعف التأهيل المهني الحقيقي لهم، وغياب الحوافز المادية والمعنوية، تواجه تحديات جسام، لا يمكن معها أن تقدم خدمة تعليمية ذات جودة.
8
وهناك تفاوت صارخ وغير عادل بين شريحة من الطلبة قادرة على الحصول على تعليم نوعي في مدارس باهظة الكلفة، وبرامج دولية (بريطانية/ أمريكية ....) مما يعني غياب مطلق للعدالة وتساوي الفرص، وبالتالي فإن التنافس لن يكون عادلا، وسيكون لصالح شريحة ميسورة لا تتجاوز نسبتها 10%، مما سيولد المزيد من الغبن، والشعور بالظلم، وما يترتب عليه من تهديد للسلم الاجتماعي، والأمن الوطني، وتزايد الشعور بالاغتراب والتهميش، في قطاع استراتيجي أضعفته الوصفات الجاهزة.
9
فكيف يمكن لطلبة الأطراف، والمناطق المصنفة رسميا كجيوب فقر، والتي وصل عددها حسب التقارير الرسمية إلى (35) منطقة - قبل جائحة كورونا-، المنافسة في نظام قبول لا يراعي هذه الاعتبارات؟
وكيف سيتم التعامل في ظل هذا النظام مع المدارس الموصوفة رسميا “المدارس ذات الظروف الخاصة”، والتي بلغ عددها هذا العام حوالي (620) مدرسة؟
وهل يعلم أعضاء مجلس التعليم العالي أنّ (20%) من مدارس الوزارة (حوالي 800) مدرسة هي أبنية مستأجرة، لا يتوافر فيها الحد الأدنى من مقومات البيئة التعليمية والانسانية المناسبة؟
وهل يعرف أعضاء المجلس أنّ هناك حوالي(800) مدرسة أخرى، تمثل(20%) من مدارس الوزارة، تعمل بنظام الفترتين، وأنّ الضغط غير المسبوق هذا العام على المدارس الحكومية سيضطر الوزارة للتوسع في الاستئجار، وتحويل المزيد من المدارس إلى العمل بفترتين؟
هذا إضافة إلى الاكتظاظ الذي تعاني منه المدارس الحكومية، وقلة المرافق، أو انعدامها، من ملاعب ومختبرات ومكتبات، ونقص في الصيانة، والتشكيلات والكتب التي ترافق بداية كل عام دراسي.
10
إنّ المتتبع لنظام التوجيهي منذ أكثر من عقدين يلاحظ أنّ هذا الامتحان كان ولا يزال هو المعيار الأكثر عدالة، بالرغم من تعرضه لهزات كثيرة، كان سببها ولا يزال غياب الرؤية الاستراتيجية، وعدم خضوع اجراءات التحسين والتطوير إلى حوارات حقيقية، للوصول إلى تطوير متدرج، يتيح المجال للأسر، والمدارس، والجامعات، أن تستعد وتتكيف بشكل هادئ بعيدا عن برامج ووصفات العلاج بالصدمة، التي أفقدت أبنائنا وأسرهم الوعي، وجعلتهم أكثر قلقا، وهم يتلقون في كل عام تعليمات وأنظمة جديدة، تتخذ وتطبق دون دراسة، ودون الأخذ بالاعتبار أن الطالب يمر بسلم تعليمي، وأن كل درجة مرتبطة بما قبلها، وما بعدها. وهو ما لا تعيره خطط (الخبراء الجدد) أية أهمية، حتى وإن تعارض مع كل المفاهيم والنظريات التربوية والاجتماعية الحديثة، والتي ندعي أننا نستند إليها في خططنا وعملنا. وكأننا نتعامل مع آلات لا مع انسان.
11
وفي الختام فإن من الضرورة التأني وارجاء تطبيق هذا النظام، واخضاعه للنقاش الكافي، وأن يكون أي نظام للقبول جزء من خطة عمل وطنية مدروسة لاصلاح منظومة التعليم العام والعالي بشكل شامل وكلي، وهو ما فشلنا به حتى الآن، لأننا مصرون على استيراد الأفكار كما هي، وانزالها على واقع مغاير.
وأن تستجيب الخطط والتوجهات لمتطلبات التنمية الوطنية الشاملة، ومستقبل الوطن وأبنائه، وأن لا تقفز عن الواقع، أو تسقط عليه وصفات غير مناسبة له، والأهم ان يحقق أي نظام مبدأ العدالة الأكاديمية بين الطلبة.

نيسان ـ نشر في 2020-10-01 الساعة 17:46


رأي: د. فيصل الغويين أكاديمي أردني

الكلمات الأكثر بحثاً