أمسيةٌ قصصيةٌ في السلط تتلمّس دروب ما بعد كورونا
نيسان ـ نشر في 2021-05-30 الساعة 16:30
نيسان ـ متلمّسًا دروب ما بعد كورونا، أقام منتدى الأسود الثقافي في السلط، أمسية قصصية للقاصة فداء الحديدي والروائي والإعلامي الزميل محمد جميل خضر.
الأمسية التي أقيمت في المدى المطل على القدس وفلسطين بشارع الستين، أدارها الشاعر شاهر أبو رمّان، وحضرها رئيس المنتدى المهندس جهاد القماز، وعدد يتناسب مع شروط التباعد.
تناوب القاصان قراءة جديدهما من القصص والنصوص. القاصة الحديدي استهلت الأمسية بقراءة قصتها الجديدة "عرائس غزة" تستدعي فيها مقاربة لما يجري في فلسطين، وتحديدًا في غزة، وفي قفلةِ القصة ما يحمل عَبَرات سادرةً داخل أعماق الروح:
"لم أدرك أن صوت التلفاز كان بجانبي ومن فوقي وأسفل مني وفي كل أرجاء الحي حولي. تسمّرت في مكاني أنظر إلى شاشات التلفاز في كل مكان, أشاهد نفسي وأنا أرفع قطع الصخر عنها, وأنفضُ التراب عن جسدها الصغير, وألملم جسدها الذي تناثرت أطرافه ولم تُبقِ القنابلُ منها إلا يدها الصغيرة تمسك عروستها وهي تضغط على صدرها منادية: أمي.. أمي".
في قصة "الحرية" اختارت الحديدي مقاربةً لما يمكن أن يكون عليه وضعُ صحفيٍّ يتعرض لضغوطات في مكان عمله: "انتظروه في الأسبوع التالي, المسرح الكبير أصبح صغيرًا, لا يوجد مقاعد فارغة. المقاعد ممتلئة.. المنصة خالية, الجميع ينتظره أن يخرج ويقف أمامهم, مرّت الدقائق تلو الدقائق, خرج الجمهور بحزن وشحوب, الرجل ذو النظارة السوداء على المقعد المتحرك, كان يجلس بجوار درج الدخول, بيده أقلامًا ملوّنة للبيع".
قصة "انكسار" تتجلّى بوصفها قصةَ انكسارنا جميعنا، وتستهلّها الحديدي بمدخلٍ محمّلٍ دلالات:
"قادني القدر إلى ذلك الطريق الخالي, رأيته كما هو منذ سنوات يجلس وحيدًا, خلال كل تلك السنوات التي مضت, لم أفكر يومًا الاقتراب منه ومجاذبتهِ أطرافَ الحديث, حاولت جهدي أن أترك له بعض الخصوصية، وأن لا أقحم نفسي في فسحة المكان الذي اختاره لنفسه.
اليوم جاء قراري المفاجئ, سأكون قربه, أجلس معه, أستمع إِليه, أرتوي من سنين العمر التي ارتسمت على جبينه, وخط الزمن الذي رسم على يديه, أن أجول في أوردة يديه الزرقاء النحيلة التي ظهرت أمام عيوني وأنا أصافحه.
كان يجلس على ذات المِعقد الخشبي القديم, متكئًا على جدارِ الحي الذي كان, جلست قربه, حاولت أن أستمع إليه. كان يقلّب قصاصات من الصحف القديمة, ينظر إليها بابتسامة غريبة, يقرأ وجوهًا تكرّرت في صفحاتها".
الزميل محمد جميل خضر راوح بين قصص قصيرة جدًا وأخرى أطول، إضافة إلى قراءته نصًّا نثريًا حمل عنوان "كِمامات الصمت": "كِمامةٌ في حقيبةِ اللابتوب.. في حقيبةِ اليد.. في جيبِ الجاكيت.. في جيبِ السيارة.. في بابِها.. كِمامةٌ في غرفةِ التحقيق.. في الشارعِ العام.. في الفضاءِ الأزرق.. كِمامةٌ تسدُّ بابَ الكلام.. فوقَ أحمرِ الشِّفاه.. في الطريقِ إلى المقبرة.. كِمامةٌ بلونِ الفستانْ، وأخرى بطعمِ الخذلان.. كِمامةٌ للصمتْ، وعاشرةٌ لكلِّ وقت.. كمامةٌ تفضحُ العيونَ وأخرى تَكْسِرُ الأنوف.. كمامةٌ تكتمُ الأنفاس.. تجعلُنا بِلا لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحة.. نسيرُ أشباهًا بِلا أفواه.. أشباحًا ملوّحينَ لزمنِ الفَرَادَةِ، مُتَخِلّينَ عن عَبَقِ الخُصوصيةِ الآسرِة".
قصة "يسار.. يمين" القصيرة جدًّا، حملت تمردًا فطريًّا بأنفاسٍ كوميدية: "بالكاد التقط مختار القرية أنفاسه.. توقف خانعًا لحقيقة عجزه عن الإمساك بـ(يسار) الفتى الشقيّ الذي لا يشبه شِقَّ توأمه (يمين) بشيء.. لَعَنَ المختارُ اليسارَ واليمينَ والجهات جميعها..
كلما سار في دروب القرية المرتاحة على أطراف تلّة منسية في بلد منسي، تلاحقه شقاوات يسار وهو يركض قارعاً طبله الصغير الذي صنعه بيديه، مدوياً بصوت متمرد مسكون بسخرية فاقعة:
_مخ.. طار.. مخ.. طار.
منتقمًا لأذيالِ خيبته أصدر المختار (فرمانه) العجيب: (الحاضر يعلم الغايب يسار الحاج محمود ابن حرام وتوأمه يمين ابن حلال)!".
خضر قرأ، إلى ذلك، قصة: "حوار الطرشان" القصيرة جدًّا، وقصة "صفعة صفية القوية"، إضافة إلى نصِّ "الفلسطينيّ" الذي جاء فيه: "أصابعه شقوق الأرض.. تَبَسُّمُ فرخُ بامياء بعد أن أزال عنه الفلسطينيُّ الذي يعشق الأرض أشواك الحقل وأعشابه الضارة. جبينه وهج الشمس. صوته نبض الطريق الساحليّ. عيناه قبابٌ وكنائس. تجارتُه إِرْث، وهو أرشقُ من يصنع طائرات الورق، ويجمع (قلول) الحارات جميعها. عاشق بالفطرة. حنونٌ بجنون، ويذوب حين يتفتح الحنّون".
مدير الأمسية الشاعر شاهر أبو رمّان دبّج لحظاتها بمداخلات سامية المعاني عابقة الحضور، وقال في القاصة والقاص شعرًا، وصنع تفاعلًا، وأسهبَ مَحبةً.
الأمسية التي أقيمت في المدى المطل على القدس وفلسطين بشارع الستين، أدارها الشاعر شاهر أبو رمّان، وحضرها رئيس المنتدى المهندس جهاد القماز، وعدد يتناسب مع شروط التباعد.
تناوب القاصان قراءة جديدهما من القصص والنصوص. القاصة الحديدي استهلت الأمسية بقراءة قصتها الجديدة "عرائس غزة" تستدعي فيها مقاربة لما يجري في فلسطين، وتحديدًا في غزة، وفي قفلةِ القصة ما يحمل عَبَرات سادرةً داخل أعماق الروح:
"لم أدرك أن صوت التلفاز كان بجانبي ومن فوقي وأسفل مني وفي كل أرجاء الحي حولي. تسمّرت في مكاني أنظر إلى شاشات التلفاز في كل مكان, أشاهد نفسي وأنا أرفع قطع الصخر عنها, وأنفضُ التراب عن جسدها الصغير, وألملم جسدها الذي تناثرت أطرافه ولم تُبقِ القنابلُ منها إلا يدها الصغيرة تمسك عروستها وهي تضغط على صدرها منادية: أمي.. أمي".
في قصة "الحرية" اختارت الحديدي مقاربةً لما يمكن أن يكون عليه وضعُ صحفيٍّ يتعرض لضغوطات في مكان عمله: "انتظروه في الأسبوع التالي, المسرح الكبير أصبح صغيرًا, لا يوجد مقاعد فارغة. المقاعد ممتلئة.. المنصة خالية, الجميع ينتظره أن يخرج ويقف أمامهم, مرّت الدقائق تلو الدقائق, خرج الجمهور بحزن وشحوب, الرجل ذو النظارة السوداء على المقعد المتحرك, كان يجلس بجوار درج الدخول, بيده أقلامًا ملوّنة للبيع".
قصة "انكسار" تتجلّى بوصفها قصةَ انكسارنا جميعنا، وتستهلّها الحديدي بمدخلٍ محمّلٍ دلالات:
"قادني القدر إلى ذلك الطريق الخالي, رأيته كما هو منذ سنوات يجلس وحيدًا, خلال كل تلك السنوات التي مضت, لم أفكر يومًا الاقتراب منه ومجاذبتهِ أطرافَ الحديث, حاولت جهدي أن أترك له بعض الخصوصية، وأن لا أقحم نفسي في فسحة المكان الذي اختاره لنفسه.
اليوم جاء قراري المفاجئ, سأكون قربه, أجلس معه, أستمع إِليه, أرتوي من سنين العمر التي ارتسمت على جبينه, وخط الزمن الذي رسم على يديه, أن أجول في أوردة يديه الزرقاء النحيلة التي ظهرت أمام عيوني وأنا أصافحه.
كان يجلس على ذات المِعقد الخشبي القديم, متكئًا على جدارِ الحي الذي كان, جلست قربه, حاولت أن أستمع إليه. كان يقلّب قصاصات من الصحف القديمة, ينظر إليها بابتسامة غريبة, يقرأ وجوهًا تكرّرت في صفحاتها".
الزميل محمد جميل خضر راوح بين قصص قصيرة جدًا وأخرى أطول، إضافة إلى قراءته نصًّا نثريًا حمل عنوان "كِمامات الصمت": "كِمامةٌ في حقيبةِ اللابتوب.. في حقيبةِ اليد.. في جيبِ الجاكيت.. في جيبِ السيارة.. في بابِها.. كِمامةٌ في غرفةِ التحقيق.. في الشارعِ العام.. في الفضاءِ الأزرق.. كِمامةٌ تسدُّ بابَ الكلام.. فوقَ أحمرِ الشِّفاه.. في الطريقِ إلى المقبرة.. كِمامةٌ بلونِ الفستانْ، وأخرى بطعمِ الخذلان.. كِمامةٌ للصمتْ، وعاشرةٌ لكلِّ وقت.. كمامةٌ تفضحُ العيونَ وأخرى تَكْسِرُ الأنوف.. كمامةٌ تكتمُ الأنفاس.. تجعلُنا بِلا لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحة.. نسيرُ أشباهًا بِلا أفواه.. أشباحًا ملوّحينَ لزمنِ الفَرَادَةِ، مُتَخِلّينَ عن عَبَقِ الخُصوصيةِ الآسرِة".
قصة "يسار.. يمين" القصيرة جدًّا، حملت تمردًا فطريًّا بأنفاسٍ كوميدية: "بالكاد التقط مختار القرية أنفاسه.. توقف خانعًا لحقيقة عجزه عن الإمساك بـ(يسار) الفتى الشقيّ الذي لا يشبه شِقَّ توأمه (يمين) بشيء.. لَعَنَ المختارُ اليسارَ واليمينَ والجهات جميعها..
كلما سار في دروب القرية المرتاحة على أطراف تلّة منسية في بلد منسي، تلاحقه شقاوات يسار وهو يركض قارعاً طبله الصغير الذي صنعه بيديه، مدوياً بصوت متمرد مسكون بسخرية فاقعة:
_مخ.. طار.. مخ.. طار.
منتقمًا لأذيالِ خيبته أصدر المختار (فرمانه) العجيب: (الحاضر يعلم الغايب يسار الحاج محمود ابن حرام وتوأمه يمين ابن حلال)!".
خضر قرأ، إلى ذلك، قصة: "حوار الطرشان" القصيرة جدًّا، وقصة "صفعة صفية القوية"، إضافة إلى نصِّ "الفلسطينيّ" الذي جاء فيه: "أصابعه شقوق الأرض.. تَبَسُّمُ فرخُ بامياء بعد أن أزال عنه الفلسطينيُّ الذي يعشق الأرض أشواك الحقل وأعشابه الضارة. جبينه وهج الشمس. صوته نبض الطريق الساحليّ. عيناه قبابٌ وكنائس. تجارتُه إِرْث، وهو أرشقُ من يصنع طائرات الورق، ويجمع (قلول) الحارات جميعها. عاشق بالفطرة. حنونٌ بجنون، ويذوب حين يتفتح الحنّون".
مدير الأمسية الشاعر شاهر أبو رمّان دبّج لحظاتها بمداخلات سامية المعاني عابقة الحضور، وقال في القاصة والقاص شعرًا، وصنع تفاعلًا، وأسهبَ مَحبةً.


