خبراء يفسرون أسباب غياب الشراكة السياسية في الوطن العربي
نيسان ـ نيسان ـ نشر في 2015-09-19 الساعة 18:02
المصري: مفهوم الدولة ينبغي أن يسبق كل الاعتبارات الوطنية الأخرى
الصفدي: أنظمة الحكم الفردي لم تتمكن من بناء كيانات قوية،ولا بد من وضع اطار للشراكة السياسية
المجالي: النظام الرسمي العربي لم يؤمن بعد بالشراكة السياسية كما تقتضيها المعايير والاشتراطات اللازمة والمُلزِمَة
الحمد : الشراكة السياسية تساهم في استئناف مسيرة الإصلاح والتوافق على حماية الأمة
البغدادي: لا بد من عقد اجتماعي سياسي جديد للخلاص للعديد من التوترات والأزمات الناجمة عن غياب الشراكة
الحضرمي: المشاركة السياسية هي جوهر كل سياسة و قلب الديمقراطية والسبب الأول في نجاحها
رأى خبراء وسياسيون في ندوة حول الشراكة السياسية في الوطن العربي" عقدت في العاصمة عمان ان غياب الشراكة السياسية في العالم العربي ادت الى "إلى نتائج سلبية للغاية على مستوى الدول والأحزاب والنخب السياسية، نتج عنها سياسات تهميش وإقصاء وصولًا إلى الاغتيال السياسي في أكثر من دولة عربية؛ ومن أبرزها ما يحصل في العراق وسوريا ومصر واليمن ولبنان".
ودعا الخبراء الى ضرورة " تشكيل فريق خبير متمكن يدرس حالة الشراكة السياسية في الوطن العربي، ويشخصها تشخيصاً دقيقاً، ويضع تصوراته، وما يجب فعله لإعادة بناء الواقع من جديد وعلى أساس التشاركية الفُضلى".
و انطلقت صباح اليوم أعمال اليوم الأول من الندوة العلمية التي ينظمها مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية تحت عنوان "الشراكة السياسية في الوطن العربي" بمشاركة شخصيات سياسية وباحثين من تسع دول عربية، ويُقدم خلالها اثنا عشر بحثاً علميًا في موضوع الندوة.
وقال رئيس مجلس النواب الاردني الأسبق ورئيس التيار الوطني المهندس عبد الهادي المجالي في افتتاح الندوة أن "الأحزاب والقوى السياسية العربية التي تسلمت الحكم بعد فترة الاستقلال لم تنجح في بناء شراكات مع القوى السياسية خارج السلطة أو مع القاعدة الاجتماعية، وبدا أنها فشلت في مقاربة الحلول للمشكلات السياسية والاقتصادية الكبرى".
ويرى المجالي بأن" النظام الرسمي العربي لم يؤمن بعد بالشراكة السياسية كما تقتضيها المعايير والاشتراطات اللازمة والمُلزِمَة، وأنما تركت هامشًا للقُوى السياسية كي تتحرك، لغايات إعلامية- سياسية مقصدها الأساس إحداث اختلالات في البناء الفكري وإرباك الوعي و ليس من قبيل إدراك الحاجة لحركة مؤثرة منها تعينه على تصريف شؤون الدولة، وتساعد في صياغة برامجها للنهوض وإدامة التقدم".
مضيفا ان "الربيع العربي" أظهر حقيقة إنما كان تحرك شعوب تجاوزت الأحزاب وكل القوى السياسية، وخرجت تبحث في البداية عن الشراكة، معتبرا ان بعض الأنظمة استجابت لمطلب الشراكة، وبعضها قاومت هذا المطلب وتصدت له، فأُرِيق الدم.."
واختتم المجالي كلمته باقتراح تشكيل فريق خبير متمكن يدرس حالة الشراكة السياسية في الوطن العربي، ويشخصها تشخيصاً دقيقاً، ويضع تصوراته، وما يجب فعله لإعادة بناء الواقع من جديد وعلى أساس التشاركية الفُضلى.
بدوره قال مدير مركز دراسات الشرق الأوسط جواد الحمد أن "انعقاد ندوة متخصصة لبحث الشراكة السياسية في الوطن العربي إنما يمثل محاولة فكرية سياسية على أرض الأردن للتوصل إلى مخرج متكامل فكرياً وسياسياً من مجموع الأزمات التي تشهدها المنطقة، مشيرا الى أن الشراكة السياسية في العالم العربي تُعد منطلقاً مهماً لتوحيد الجهود وتقوية الدولة والمجتمع، وللتعبير الواثق عن الإرادة الشعبية في حماية البلاد والمواطنين من أي إرهاب أو بطش أو اعتداء خارجي، أو انتهاك الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني" .
وأكد الحمد ان "الشراكة السياسية تساهم في استئناف مسيرة الإصلاح والتوافق على حماية الأمة وتشكيل الجماعة الوطنية في كل قطر والجماعة القومية في المنطقة العربية بكل اتجاهاتها الفكرية على أساس مواجهة التحديات الخارجية والداخلية الكبرى معاً حتى في ظل اختلاف الأيدلوجيا والانتماءات الدينية والحزبية، وهي تحجم عقلية الاستفراد والإقصاء من جهة ثانية".
وأعتبر الحمد أن "ملامح نجاح التجربة الأردنية بالإصلاح السياسي النسبي وعبور المرحلة الأولى من الربيع العربي بسلام، ونجاح كل من التجربة المغربية والتونسية في تحقيق نموذج شراكة سياسية أولي قابل للتطوير، قد يكون ذلك فرصة لبلورة اتجاهات جديدة في الرؤية السياسية العربية إزاء نظرية الشراكة السياسية، والتحول الديمقراطي، وتداول السلطة، وبناء الجماعة الوطنية الموحدة المستندة إلى وحدة وطنية جامعة".
وأكد الحمد بأن "الربيع العربي كشف أن ثقافة الشراكة السياسية لم يتم التأسيس لها من قِبَل أي قوة سياسية أو نظام حكم في المنطقة طيلة العقود الستة الماضية إلا باستثناءات محدودة جغرافياً وزمانياً".
مشيرا انه "برغم الجهود التي بذلها العديد من الباحثين والخبراء والسياسيين في محاولة لجمع القوى على شراكة سياسية لإعادة بناء الدولة أو استثمار تحولات الإصلاح فيها إلا أن التدخل الخارجي والتعصب للفكر القديم والصراع على السلطة وغياب ثقافة الشراكة السياسية من برامج القوى السياسية التي حكمت سابقاً أو التي كانت في المعارضة ووصلت إلى الحكم أو التأثير السياسي بعد الربيع، شكلت عوامل إعاقة وإفشال لهذه الأفكار والجهود، حيث سادت نظرية الاستفراد بالفكرة والرأي والسلطة والمعارضة".
هذا وتناولت الجلسة الأولى "نظرية الشراكة السياسية"، وترأسها رئيس الوزراء الاردني الاسبق الأستاذ طاهر المصري، وقدم فيها كل من د. عبد السلام البغدادي ورقة حول الشراكة السياسية/ رؤية عربية، والأستاذ صباح المختار ورقة حول الشراكة السياسية وتطورها في الغرب.
وقال المصري في تقديمه للجلسة بأن مفهوم الدولة ينبغي أن يسبق كل الاعتبارات الوطنية الأخرى، " وهو ما لا نشهده في معظم المنطقة العربية حيث يحتل مفهوم الدولة مرتبة متأخرة وراء اعتبارات مذهبية أو اجتماعية أو سياسية".
كما أوضح المصري بأن رجال السياسة في الأردن مثلاً هم من خريجي "المنصب الحكومي"، وهو ما يؤدي إلى نمط واحد في التفكير في شؤون الدولة، وهو تفكير داخل الصندوق، مؤكدا على ضرورة اتاحة الفرص أمام الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني لأن تفرز رجال سياسة يسهمون في خدمة الدولة خاصةً في ظل ما يواجهه الأردن من تحديات.
أما الدكتور عبد السلام البغدادي رئيس قسم الدراسات الإفريقية أكد في ورقته على أن "أحد مفاتيح الخلاص للعديد من التوترات والأزمات الناجمة عن غياب الشراكة والاتفاق إنما يكمن في اجتراح عقد اجتماعي- سياسي ينظم العلاقة بين قوى وشرائح المجتمع ومؤسساته المتعددة، ويُحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية التي يسعى إليها الجميع، وتبلور حقوق كل طرف وواجباته".
وقال البغدادي: إن بوابة خلق الإجماع الوطني- المجتمعي هي تجديد الحياة السياسية، وتوسيع مستوى المشاركة والشراكة فيها، وتنظيم قواعد التعاون والتنافس.
واضاف البغدادي" لا ريب أن اجتراح عقد سياسي- اجتماعي جديد يشارك فيه الجميع، هو الذي يوفر الأرضية المناسبة لمجتمع آمن مستقر، ويوفر الأرضية المناسبة لتطوير مؤسسة الدولة وهياكلها الدستورية، وبناء الاقتصاد الوطني، وعلى الدولة الحفاظ على حيادها حيال قناعات وتمسك الأفراد بقيمهم وثقافاتهم المتنوعة؛ إذ على دولة الشركاء أن تؤمن بالتعددية والوسطية والاعتدال والحرية، وأن بناء الأوطان وتنميتها ينبغي ألا يبقى رهناً بيد شخص أو فئة أو حتى جزء من الشعب مهما كانت نسبته، بل يجب أن تكون هذه المهام والأهداف متاحة لكل الشعب من خلال الشراكة والمشاركة التي تجسد الديمقراطية الحقيقية بمفهومها الحضاري والإنساني ".
وخلص رئيس جمعية المحامين العرب صباح المختار في ورقته عن تجربة المشاركة السياسية في الغرب إلى أن المشاركة السياسية في الغرب توافر لها عدة عناصر أساسية؛ يتعلقأولها بالبنية السياسية ووجود التكامل المؤسسي من قبيل: الدستور والتشريعات التي تحمي الحرية والديمقراطية وكيفية ممارستها كقوانين الأحزاب والانتخابات.
كما أشار المختار الى أن العنصر الثاني يتمثل بنشوء الأحزاب السياسية ، اضافة الى وجود ورسوخ التقاليد العملية للممارسة والمشاركة السياسية، وهذا أهم ما تفتقده المجتمعات والدول العربية وأنظمتها.
وتناولت الجلسة الثاني "مجالات الشراكة السياسية وانعكاساتها"، وترأستها الكاتبة د. عيدة المطلق، وقدم فيها كل من استاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون. عمار الجفال ورقة حول انعكاسات الشراكة السياسية على الأغلبية والأقلية والمواطنة، وقدم الباحث د. عمر الحضرمي ورقة حول انعكاسات الشراكة السياسية على العملية السياسية ونجاحها، ود. سمير بو دينار حول انعكاسات الشراكة السياسية على الاستقرار والتنمية.
اعتبر د.الجفال في ورقته بأن تحديد مفهوم المواطنة يتراوح بين ثلاث توجهات وهي التوجه التقليدي الذي يحصر مفهوم المواطنة في العلاقة التعاقدية التي تربط الدولة والمواطن وتنظم الحقوق والواجبات، وثانياً التوجه الجديد والمؤيد إلى توسيع معنى المواطنة وتخطي الحدود القانونية للجنسية نحو ما يسمى بالمواطنة المدنية أو مواطنة الإقامة كما هو مطروح في التجربة الأوربية، بما يسمح بإدراج فئات عديدة مثل المهاجرين ضمن مفهوم المواطنة، في حين يذهب التيار الثالث والأخير إلى الدعوة لمواطنة تتخطى حدود الدولة إلى التأسيس لمواطنة إقليمية وعالمية تقوم على المبادئ والقيم الإنسانية المشتركة.
بينما اكد الباحث د. عمر الحضرمي فأكد أن المشاركة السياسية هي جوهر كل سياسة كبيرة أو صغيرة، سواء كان المجتمع نامياً أم متقدماً، وهي قلب الديمقراطية والسبب الأول في نجاحها، واكد الحضرمي ان المشاركة الجماهيرية هي مصدر حياة الدولة وهي الطاقة القادرة على مواجهة الاستبداد، والوسيلة الناجحة لبناء تشريع الحكم الجماعي. وهي بداية متأتية من طرفي المعادلة: الفرد والحكومة، وذلك لكون المشاركة السياسية "نشاطاً" وليست مجرد "اتجاه" أو "اعتقاد".
فيما تناول الدكتور سمير بو دينار من المغرب العربي المنظور التحليلي لواقع الدولة في الاجتماع السياسي العربي الحديث معتبرا انه يتخذ وجهتين أساسيتين، إحداهما تفسر تراجع الشراكة السياسية كمفهوم سياسي مرجعي، وغيابها الكبير عن تقاليد الممارسة السياسية بالعامل الثقافي النابع من بنية المجتمع و المؤثر في تشكيل تراثه السياسي.
اما الوجهة الثانية بحسب بودينار فتؤكد على العوامل الموضوعية التي حددت مسار تجربته السياسية الحديثة، من حيث ظروف تشكل "دولته" وبنيتها وسياقها ، مشيرا الى انه حين يمثل التفسير بالعامل الداخلي اتجاها عاما في تحليل غياب الشراكة السياسية بين الفاعلين داخل الدولة، تتصدر سلطة الخارج العوامل المفسرة لدى اتجاه مقابل ، بما يُفاقم من سمات هذا الواقع بين الفاعلين السياسيين كذلك، الذي يتغذى على تبرير نظري لمواقف الفرقاء السياسيين المتباينة.


