اتصل بنا
 

“الصوفية” قادمون: كيف نستقبلهم؟

كاتب صحافي

نيسان ـ نشر في 2021-09-09 الساعة 07:28

نيسان ـ لدينا في الأردن تجربة عميقة وثرية مع ” التصوف”، ثمة أضرحة لأعلام من المتصوفين الكبار أمثال الجنيد البغدادي وأبي سليمان الداراني وغيرهما، وثمة مزاج ديني معتدل كان للصوفية الذين تبوؤا أعلى المواقع الدينية في بلدنا، منذ تأسيسه وحتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي، فضل في تشكيله وربما استمراره، كما تنتشر “زوايا” المتصوفة بمختلف مدارسها في مجتمعنا، ويمارس المشايخ فيها والمريدون “أورادهم”، فيما تحتشد الذاكرة بأسماء المئات من الرعيل الأول الذين اسسوا “الطريق” او مشوا عليه.
هذا كله صحيح، لكن ما حدث قبل أيام في الكرك، حيث أقيمت صلاة الجمعة في مسجد جعفر بن ابي طالب، وبعدها ازدحمت احدى الصالات بجموع الذاكرين والمنشدين (لاحظ قيمة جعفر في المخيلة الصوفية) ثم ما سبق ان شهدناه من صعود ” لنجم” الزوايا والحضرات، وإشهار او استدعاء وربما احتفاء بالحضور الصوفي، أثار المزيد من الجدل وطرح العديد من الأسئلة، الامر الذي يحتاج الى وقفة، ليس هنا مكانها بالتأكيد، كما انني لست المعني بالبحث عن إجابات لها، او التعليق عليها.
ما استطيع ان أسجله – كمتابع– ان الصوفيين قادمون (عائدون إن شئت)، وان الحضرات الصوفية أصبحت جاهزة لاستقبال الشباب الراغبين بالانضمام لمجتمع الزوايا، وللباحثين أيضا عن حظوظهم في موقع هنا او هناك، فالمجال الديني اصبح مفتوحا أمام هؤلاء السالكين الواصلين، ليس فقط لأن الساحة أصبحت مهيأة بعد خروج ممثلي التيارات الأخرى او إخراجهم، وانما لأن مثل هذا الحضور يتناسب مع المزاج السياسي العام، حيث الرغبة في تجاوز حالة التدين المناكف والمتمرد – بأنواعه التي نعرفها – الى حالة التدين الناعم والزاهد، المشغول بالذكر والتسبيح والاناشيد و ” التوسل” ايضا.
لا يخطر في بالي ان أحكم علي تجربة التصوف، أو استعرض المناخات التي أفرزتها، أعرف ان ثمة فرقا بين تصوف يستحضر المقابر ويستثمر في اليأس وبين تصوف يجتهد في التربية والتزكية وينتصر للجمال والروح، لكن يكفي ان أشير إلى ان “ظاهرة” الاقبال على التصوف، وخاصة من قبل الشباب المتدين، يفترض ان تسترعي اهتمامنا، فسواء أكان هذا الاقبال بسبب البحث عن الخلاص الفردي او الإحساس بالخيبة من الواقع او الهروب من تهم التطرف او لممارسة التجربة الروحية بنمط ” تدين” جديد، فإنه يشكل تحولا عميقا يعكس ما حدث في مجتمعنا من أزمات متراكمة، نسمع الآن صوت ارتداداتها في مجالنا الديني، وربما في غيره من المجالات.
بدل ان نواجه التصوف بحملات الانكار والتنديد، او نتهمه بالتسلل الينا على مراكب الآخر، او نشوه صورته في ذاكرة أجيالنا ( للتذكير: نص البيان الختامي للمؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد بعمان / 2005، على انه لا يجوز تكفير من يمارس التصوف الحقيقي، ووقع عليه 200 عالما من مختلف المذاهب الإسلامية في العالم ) أتمنى ان نتعامل معه في اتجاهين متوازيين: الأول محاولة ترشيده وإفراز افضل ما لدى الصوفية من قيم عرفانية وروحية يحتاجها مجتمعنا في هذا الوقت الذي يتعرض فيه لأصعب الظروف الاقتصادية والاجتماعية .
اما الاتجاه الآخر فهو افساح المجال لكل الفاعلين في مجالنا الديني لتقديم صورة الدين الحقيقي وانماط التدين الصحيح، دون اقصاء او تخويف، ففضاء مجتمعنا يتسع لكل “الخيرين”، سواء رددوا أذكارهم في الزوايا “، او ألقوا مواعظهم في المراكز والطرقات، او حملوا المعونات والصدقات للفقراء والمحتاجين.
بقي ان أقول – فقط-: لا تخافوا على الدين، ولا تخافوا على بلدنا من هذه التعددية، فضاء الدين أوسع من ان يحتكره احد، وأصلب من أن تكسره فهو مات وسلوكيات أصحاب طريقة او شريعة، كما ان بلدنا اقدر على استيعاب هذا التنوع، وربما اسعد ما يكون به.
الغد

نيسان ـ نشر في 2021-09-09 الساعة 07:28


رأي: حسين الرواشدة كاتب صحافي

الكلمات الأكثر بحثاً