تهافت التهافت
نيسان ـ نشر في 2015-09-25 الساعة 15:48
كتب محمد قبيلات
لا أدري لماذا لا يستطيع المشتغل بالسياسة والمجالات المرتبطة بها في بلادنا، إلا أن يكون متسلحا بالاعتداد بالذات والاعتقاد بامتلاك الحقيقة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه الى الادعاء بأحقيته الحصرية في منح صكوك الغفران.
لا أحد يبحث عن الحقيقة، فهي لديه كلها !!
ولا يرتقي الشك لرأي الواحد منهم !!
كلهم أبطال، وكلهم مشاريع قادة ورؤساء، في حين أنهم لا يخلصون لأبحاثهم وكتاباتهم ولا لمواقعهم أو لجماعاتهم السياسية.
التناقض المركب الأكبر أن هؤلاء لا يلتزمون أيضا بمعايير أو مساطر محددة أو متماثلة تجاه القضايا المتشابهة، فترى مفكرين وصحفيين وكتابا طالما كانوا أتباعا لدول ترفض الديموقراطية، يطالبون دولا وجماعات أخرى بأن تطبق الديموقراطية.
وترى من الجانب الآخر، مَن تساقطوا وأصبحوا أذنابا للأجهزة الأمنية، ويقدمون التقارير بانتظام لمُشغليهم، منظرين للمقاومة والممانعة، فعلا عجيب!.
لم يصمد تحت بضعة كمات وضربات سددها له محقق، فاعترف وسلم سرّه العظيم أكثر من مرة، وتراه الآن يزاود بالثورة والمقاومة والممانعة والنضال ضد الاحتلال والتخلف والاستعمار.
فأي تناقض واختلال هذا الذي نعيشه والى ماذا سيفضي؟!!
ومن القصص التي لا تخلو من الطرافة، قصة كاتب صحفي، كان يدّعي أنه وراء الحراك في الأردن، وبناء على ذلك، رفض في البداية أن يؤيد النظام السوري كونه نظاما ديكتاتوريا فاسدا.
وبقدرة قادر، صار من أئمة فلسفة التشبيح المؤيدة لذلك النظام، وادّعى أنه أوقف الحراك في الأردن ريثما تنتهي الحرب هناك، لم يتوقف عند هذا الحد، بل راح يوزع الأدوار بين القوى الإقليمية، الى درجة أنه قال في فترة ما: سنوقف العمل ضد السعودية حفاظا على تماسكها كدولة.
القصة أكبر من انفصام أو من قصة أشخاص ضلوا الطريق، وأكبر من تشوهات شابت التطبيق، وأكبر من أن لكل قاعدة شواذّ، ولعل الكثير من المفكرين حاولوا الإجابة عن أسئلة التمدن والتحضر، وحملوا هموم وقضايا التنوير، لكن كل ذلك لم يثمر، ويبدو أنه لن ينتج حلولا على المدى المنظور، كون كتلة التغيير التاريخية لم تبلغ الصلابة الكافية، وكونه لم يتم الفصل والقطع حتى هذه اللحظة عن تشوهات الماضي، فما زلنا عاربة ومستعربة وقيس ويمن ومناذرة وغساسنة.
ما زلنا نجلس تحت سقيفة بني ساعدة، ونُدير ذات النقاشات المفعمة بالأنا المتضخمة والمسكونة بالولاء للجهويات والتقسيمات التي ما زالت تضعنا خارج التاريخ.


