ما بعد تكريت تقرير: أخطاء الولايات المتحدة الجديدة ومستقبل العراق
نيسان ـ نشر في 2015-03-22
قال موقع "ميدل إيست بريفينغ" الأمريكي، المتخصص في الدراسات الشرق أوسطية، في تقرير خاص: "هناك سؤالان كانا ينبغي أن يطرحا على إدارة أوباما بخصوص العراق في جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس الأمريكي الأسبوع الماضي، لكن لم يطرحا".
السؤال الأول هو لماذا قُيّدت خطة تنظيم العشائر السنية وتسليحها لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا في مناطقها، والتي نوقشت أثناء زيارة قام بها وفد عشائري إلى واشنطن في يناير (كانون الثاني)، وأُجلت وحُصرت في مجرد أجزاء من المناطق السنية؟ والسؤال الثاني هو كيف أمكن أن تحوّلت إيران، التي تعكف باعتراف الجميع على توسيع نفوذها بسرعة كبيرة جداً في العراق، بمعجزة إلى قوة لا تقصي أحداً هناك على الرغم من الاعتراف العلني الذي جاء على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي، الذي يعرف العراق حق المعرفة، بأن طهران "كانت معطِّلة تعطيلاً مطلقاً لتطوير نظام حكم غير إقصائي وشامل للجميع، أو من شأنه أن يكون شاملاً للجميع، في العراق"؟
السياسة الأمريكية
وأوضح التقرير: "ستُظهر أية أجوبة مباشرة عن هذين السؤالين كيف أن السياسة الأمريكية الحالية تجاه الدور الإيراني في الشرق الأوسط سوف تضر المصالح الأمريكية والشرق أوسطية بل والمصالح العراقية في المستقبل، كما ستُثبت الأجوبة أيضاً أن الولايات المتحدة ستصل حتماً إلى اللحظة التي يتعيّن عليها فيها أن تختار بين تحالف فتيّ مع العشائر العربية السنية في العراق أو الروابط التي تجمعها ببغداد، وسوف يكاد يكون من المستحيل عليها عندئذ أن توفّق بين هذين النهجين.
أجوبة العراقيين:
يقول حكمت سليمان، وهو أحد شيوخ العشائر السنية العراقية الذي كان ضمن الوفد الذي قام بزيارة إلى واشنطن في يناير (كانون الثاني)، في 11 مارس (آذار) "إن الولايات المتحدة لعبت دوراً بنّاء في تحرير بلدة البغدادي الاستراتيجية"، مضيفاً: "أعتقد أن واشنطن سترسل الأسلحة التي وعدت بها، لكن في أبريل (نيسان) المقبل، لقد تبادلت بغداد وواشنطن تحفظات معينة على الوضع في الأنبار"، لكن سليمان يرفض أن يكشف عن طبيعة هذه التحفظات، مكتفياً بقوله: "تشعر واشنطن بعدم الارتياح لوجود بعض الجماعات المسلحة في القوات التي تدعم الجيش العراقي".
وتساءلت بغداد أيضاً عمّن سيدفع ثمن الأسلحة التي سترسَل إلى العشائر، حتى على الرغم من أن واشنطن أوضحت للجميع أن هذه الأسلحة ستكون صغيرة ومتوسطة، وسيتم توفيرها بلا مقابل ما دامت تُستخدم لمحاربة داعش في العراق وسوريا.
ووُضع مشروع قانون الحرس الوطني، الذي تقدمت به الحكومة العراقية إلى البرلمان في مطلع الشهر الماضي، على الرف في صمت، وفي حين أن الميليشيات الشيعية التي لا تخضع بأية صورة رسمية لسيطرة الأجهزة العراقية المعنية ليس مسموحاً لها بالوجود فحسب بل مسموح لها أيضاً بارتكاب بشاعات دون مساءلة، نجد أن العشائر السنية محرومة من تشكيل قوتها الدفاعية الخاصة بها بشكل قانوني حتى عندما يُخضع القانون هذه القوات للرقابة الحكومة الصارمة، ولا تدرك طهران، التي تعارض فكرة بناء حرس وطني، أن الحاجة الأمنية الموضوعية في حالة السُنيين دفعت بعضاً منهم إلى تأييد تنظيم داعش، وإذا لم تلبَّى هذه الحاجة بشكل قانوني، فستلبَّى بطريقة أخرى.
وفي ما يتعلق بالسؤال الثاني، فإن الإجابة عنه أيضاً تأتي وبوضوح من المنطقة، فقد صرح علي يونسي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية خامنئي، في منتدى بعنوان "الهوية الإيرانية" عُقد في طهران في 8 مارس (آذار) إن بلده موجود في العراق ليبقى، وأضاف قائلاً: "أخيراً إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي".
وفي معرِض تعليقه على فيديو يُظهر ميليشيات شيعية في محافظة صلاح الدين تحرق قرًى سُنيّة، قال مسؤول عراقي سابق: "إنهم (أي الميليشيات) يتصورون أنهم محررون في حين أنهم غزاة، هذه القوات الطائفية تفرّغ الأرض من الوجود السُنيّ".
ما الذي يخبأه المستقبل؟
هناك مثال آخر على ما يخبئه المستقبل، يأتينا من الزعيم الديني الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الذي علّق على زيارة قام بها السفير الأمريكي في بغداد إلى قبر والده بلهجة قوية، حيث قال "إنه يعلن الحداد بسبب تلك الزيارة ويأمر برفع الرايات السود احتجاجاً على فعلة السفير" وقال الصدر: "هذا الرجل (يعني السفير) يمثل الشر والإرهاب والأكاذيب، إن زيارته القبر إهانة لذكرى والدي".
ثمة مثال آخر يأتينا من البيان الصادر في 11 مارس (آذار) عن هادي العامري، زعيم منظمة بدر (وهي واحدة من أشد الجماعات الموالية لإيران في العراق تنفّذاً) وقائد كتائب الحشد الشعبي التي قادت معركة تكريت، يقول العامري: "من يعلّق آماله بالتحالف لتحرير العراق، يعلق آماله بسراب، يوجد معنا مستشارون إيرانيون نفتخر بهم ونشكرهم كثيراً على مشاركتهم وقفتنا، إيران لديها خبرة لا يملكها أحد في العالم فيما يتعلق بموضوع مكافحة الإرهاب".
هزيمة القمع الطائفي
هزيمة تنظيم داعش الآن أو هزيمة القاعدة في 2007 ينبغي أن تعني هزيمة القمع الطائفي لا هزيمة أعراضه الظاهرة، وقد حصلت الولايات المتحدة على الإيرانيين مستترين في صورة نوري المالكي آنذاك، وأما الآن فسوف تحصل على الإيرانيين من دون ستار، فرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي هو تمثيل لمجمل القوى العاملة على الأرض، وما يهمّ ليس نواياه الشخصية بل حقيقة أن مجمل هذه القوى تسيطر عليه إيران.
ينبغي أن يكون هذا قد أثار القلق في واشنطن، فإذا كانت إيران من غير المؤمنين بالحكم الشامل للجميع وغير الإقصائي مثلما قال الجنرال ديمبسي، وإذا كان تنظيم داعش لا يمكن أن يُهزم إلا بإنهاء الإقصاء، فكيف يمكن إذن أن يكون دور إيران في محاربة داعش دوراً مرغوباً؟
لكن ربما يكون دور إيران في الحرب ضد تنظيم داعش مبالغاً فيه، كما يقول البعض، ولن يؤدي هذا الدور تلقائيّاً إلى إقصاء السُنّة، لنلقِ ببساطة نظرة على السنوات الأخيرة التي لم يكن لإيران فيها وجود عسكري في العراق بالطريقة السافرة والقوية التي نراها الآن، ففي ذلك الحين - بمعنى خلال سنوات المالكي، كانت إيران تبدي معارضتها لأي حكم شامل للجميع في بغداد، إذن فكيف ستتصرف عندما يكون لها وجود عسكري مباشر في العراق وعندما يكون أنصارها المتعصبون لها في الميليشيات الشيعية العراقية أحسن تسليحاً وتنظيماً؟
نتائج التوسع الإيراني
سيتمخض توسيع دور إيران في العراق عن نتيجتين يقينيتين هما: (1) ضمان معاودة ظهور جماعة سُنيّة أخرى لترث دور تنظيم داعش مثلما ورث هذا التنظيم نفسه دور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، (2) الحد من أي دور أمريكي مستقبلي في العراق وإخضاعه للحصول على إذن من إيران.
لقد تمكنت إيران من تحقيق أفضل نتيجة ممكنة من وراء مشكلة صعود تنظيم داعش، بمعنى دخول العراق بكثافة وبشكل مباشر، وسيؤدي هذا يقيناً إلى مستوى أعلى من السيطرة على عملية وضع السياسات في بغداد، بحسب التقرير.
وكما أشار الجنرال ديمبسي، فإن لغة إيران لا تعرف كلمة شامل للجميع، سيكون الهدف هو حرمان السُنّة العرب من كل وسائل التمكين، بما في ذلك بشكل واضح قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم وروابطهم بالولايات المتحدة، والسبيل الوحيد الممكن لتحقيق هذه الهدف هو فرض اختيار على واشنطن: فإما بغداد وإما السُنّة العرب، وإذا أدارت بغداد ظهرها مرة أخرى إلى العشائر السُنيّة تحت ضغط من مصالحها مع بغداد، فإن الجماعة الراديكالية التالية ستكون بمثل عداء الجماعتين السابقتين تجاه الولايات المتحدة.
لقد حجب الصراع على مَن يقاتل تنظيم داعش حقيقة أساسية وهي أن إيران كانت واحداً من أهم أسباب ظهور هذا التنظيم، ولا يمكن حل مشكلة بجرعة أكبر من ذات السبب الذي تمخض عن نشأة هذه المشكلة، برأي التقرير.
وأوضح التقرير: ستتمخض ساحة الأزمة في العراق، بفعل طبيعتها الذاتية وبفعل تفاقمها نتيجة التدخل الإقليمي، يقيناً عن صورة أخرى من صور الراديكالية والجهادية، وما دامت الميليشيات الشيعية وأنصارها الإيرانيون يواصلون اعتبار المناطق السُنيّة جزءاً من فتوحاتهم التاريخية، فإن جوهر الصراع كما يحدده المنظور الطائفي سيبقى، ومن ثم فستستمر الحرب بصور مختلفة.
وأكد التقرير أن الولايات المتحدة وإيران تريان السياق الذي خلق مشكلة تنظيم داعش بطريقة مختلفة، لكن هذا الاختلاف كان ينبغي أن ينعكس في النهج الذي يتبعه كلا الجانبين في حلها. لكن بدلاً من ذلك لم نر إلا خطة اللعبة الإيرانية تنفَّذ، فتسليح العشائر السُنيّة قُيّد، والضغط الأمريكي على بغداد خُفّف تحت ذريعة الحاجة الملحة إلى هزيمة داعش والحيلولة دون مزيد من ارتماء بغداد في أحضان إيران، وكلتا الحجتين سيؤدي إلى نتيجتين متعارضتين تماماً.
ما الذي كان يمكن فعله غير ذلك؟
يرى التقرير أن هدف وقف زخم تنظيم داعش في العراق وسوريا كان في الحقيقة هو الهدف الصحيح، وما تلا ذلك كان ينبغي أن يتضمن احتواءها عسكرياً مقروناً بمجهود مكثف وطويل وصبور لوضع الأسس لحل سياسي حقيقي في العراق يحدّ من القمع الطائفي، ويتضمن هذا الحل تسليح العشائر السُنيّة ومساعدتها على محاربة الجماعة الإرهابية السُنيّة، مما يضغط على بغداد لسن قانون الحرس الوطني وشن حرب متعددة الوجود ضد الجماعة الإرهابية، إن تحقيق نصر سريع على تنظيم داعش لأسباب سياسية أو أية أسباب أخرى سيؤدي إلى إعادة لعامي 2007 و2015.
خطأ إرجاء خطة تسليح العشائر السُنيّة
ومن ثم، فإن الإجابة عن السؤالين اللذين لم يُطرحا في الكونغرس الأمريكي هي، بحسب التقرير، أن خطة تسليح العشائر السُنيّة ما كان ينبغي إرجاؤها قط، وأن إيران ستتصرف مع حلفائها العراقيين على نحو يعيد إنتاج تنظيم داعش ويصدّره إلى العالم، ولكي تتعامل الولايات المتحدة مع العراق في المستقبل، فلا بد من مرورها عبر بوابة طهران.
واختتم الموقع تقريره بالقول: "لقد وقعت السياسة الأمريكية من جديد تحت ضغط التلهّف على إيجاد حل سريع في منطقة لا تعرف شيئاً كهذا".


