اتصل بنا
 

جبهة العمل الإسلامي.. حزب يميني برؤية اقتصادية يسارية

كاتب أردني

نيسان ـ نشر في 2022-06-20 الساعة 10:52

جبهة العمل الإسلامي.. حزب يميني برؤية
نيسان ـ كتب محمد قبيلات
ليس من الصعب على المتابع، في هذه الأيام، ملاحظة أن أحزاب المعارضة، صاحبة نظريات التغييرات الراديكالية "الجذرية"، اليمينية واليسارية، ما زالت تعاني من عقدة الاندماج في المنظومة السياسية.
إذ تسعى تلك الأحزاب بخطوات خجلى ومتعثرة نحو تأليف برامجها وتكييفها وفق فكرة الاصلاح، فيما مشكلة جماعة الاخوان أكبر، حيث أن أدبياتها افتقرت، منذ تأسيسها بداية القرن الماضي، للبرامج السياسية والاقتصادية، وقد اعتمدت القرآن الكريم، برنامجاً ومرشداً شاملاً أرادت تطبيقه في مناحي الحياة كافة، إلى أن تم، في الثمانينيات من القرن الماضي، تأليف وطرح شعارها المُعَوَّم؛ الإسلام هو الحل.
غير أنها اليوم، من خلال مراجعات جبارة، باتت تؤمن بشرعية التنمية، والمرحلية، بمعنى التدرج حتى الوصول إلى سدة الحكم، وترى في تركيا بصيغتها (الأردوغانية) أنموذجاً يُحذى حذوه، لكن كيف؟.
هنا اكتشفت الجماعة أنها مضطرة لاستعارة بعض الأفكار الاقتصادية، من غريمها الأيديولوجي، وخصمها التاريخي؛ اليسار.
لقد تبنى الإسلام السياسي هذه المنهجية (البرغماتية)، نوعاً من أنواع الدفاع عن النفس، مقابل تداعيات عاصفة تراجع النظام العالمي عن استخدام الحركات الإسلامية، إبان الحرب الباردة، والانقلاب عليها، حيث باتت متهمة بتشكيل الحواضن والمنطلقات للحركات الجهادية، إضافة إلى التهديد باعتبارها منظمات إرهابية، وهو السيف الذي يتم التلويح به بين فترة وأخرى.
في ظل هذه الأجواء، صدّرَ حزب جبهة العمل الإسلامي، رؤيته الاقتصادية، وصار اليوم من الطبيعي أن نطالع في برنامجه الاقتصادي شعارات من قبيل، العدالة والمساواة الاجتماعية، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة، ونقد نظم الرأسمالية، والانحياز لتوسيع مظلة الإدارة الاجتماعية والقطاع العام، والهجوم على برامج التنمية والإقراض الدُّولية، والمطالبة بالاعتماد على الذات.
إنّ أقل ما يمكن أن يقال في هذه العناوين والشعارات، أنها مستعارة من خصم الأمس الأيديولوجي، الذي كانت الجماعة ترى فيه العدو (الكافر)، بينما الغرب المسيحي، شريكها في معركة الإيمان ضد الالحاد، فسبحان مُغيِّر الاحوال الذي جعل من بعض الأخوة أعداء بعد وجبات الانشقاق المتكررة، ومن العدو أخاً، حيث تم إشراك اثنين، في الأقل، من كوادر اليسار ومنظريه الاقتصاديين، في إعداد وتصميم رؤية 2030 للحزب.
وإذا أردنا إلقاء الضوء على الرؤية بحد ذاتها، من دون أية محاكمات تاريخية، فإننا سنجدها غارقة في التنظير الأكاديمي، بمعنى المدرسي، وأسيرة الجملة الشعبوية، وإن كانت فكرة خطب ود الجمهور لا تُعيب الخطاب السياسي للأحزاب، إلا أنها -ومع ذلك- تتطلب توفير درجة من العقلانية.
فعلى سبيل المثال، ورد في الرؤية الكثير من المتناقضات؛ مثل الموقف الحازم ضد رفع الضرائب، وفي الوقت نفسه المطالبة بعدم الاكتفاء بتسديد التزامات خدمة الدين، التي تجاوزت 2 مليار دولار سنوياً بسبب نمو المديونية وارتفاع اسعار الفوائد، بل تطالب الرؤية بتسديد أجزاء من أقساط الدين أيضا، فلو- على سبيل الفرض- تم تكليف حزب جبهة العمل الإسلامي بتشكيل الحكومة القادمة، من أين سيحّصِّلون قيمة الأقساط لتسديدها من أجل تخفيض المديونية وعدم الاكتفاء بسداد خدمة الدين؟ هل من طريق غير بيع الأصول أو طرح السندات والاقتراض، وبالتالي فرض المزيد من الضرائب من أجل تسديد الدين وفوائده؟
أيضا، ترى الخطة الاقتصادية أنه يجب فك ربط الدينار بالدولار، وأن يتم تحديد قيمة صرف الدينار من خلال ربطه بسلة عملات عالمية، هل فكّرَ السادة المُعدِّون للرؤية بالأثر النفسي لخبر فك ربط الدينار بالدولار؟ ومن يتوقع حدود تأثيراته صبيحة اليوم التالي لفك الربط على سعر صرف الدينار، كذلك ما قُدم في الرؤية من مقترحات لحل الأزمة الاقتصادية بإعادة النظر بالاتفاقيات التجارية الدُّولية، وفي الوقت نفسه التخطيط لزيادة حجم الصادرات! كيف!؟ وهل ستستقبل الدول صادراتك اذا أنت ألغيت الاتفاقيات التجارية معها؟.
الحقيقة أنه اذا لم يمتلك الحزب، إضافة إلى النِّيات الحسنة، أفكاراً ومشروعات توفر البديل الناجح للمشروعات والقوانين التي تديرها الحكومة، واذا لم يتمكن من رسم طريق حل للاشكالات التي تواجه مؤسسات الدولة ومختلف القطاعات الاقتصادية، فإنه سيزيدها، وهذا أمر لا يَحتمل التجريب.
لقد كان الأجدر بجبهة العمل الإسلامي، وقبلها الجهات الرسمية التي وضعت الرؤية الاقتصادية الرسمية، أن تخطط أولاً لمشروع الإصلاح السياسي، الذي يضمن الفصل بين السلطات، ويضمن توفر أجواء تشريعية ورقابية صحية، والاستقلال التام للقضاء، في سبيل خلق البيئة المناسبة لأية عملية تطور اقتصادي، وبالتالي ضمان سلامة التخطيط والتنفيذ لمشروعات التنمية، ليكون بالامكان الخروج من المأزق الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

نيسان ـ نشر في 2022-06-20 الساعة 10:52

الكلمات الأكثر بحثاً