نزهة في محمية السيارات المفخخة
نيسان ـ نشر في 2015-03-22
ما يحدث من قتل، بحاجة إلى كتابة تتماهى معه. إذ لم يعد ممكناً أن نكتب عن الدم بغير الدم، وأن نرى وعيوننا مفقوسة. نحن لسنا ببغاوات لواقعٍ ما، ولسنا تجار جثث. كما ولا تعنينا وظائف الأدب وأشكاله. نحن نسعى إلى منهج يتقارب مع ألوف الرؤوس المقطوعة والأعضاء المحترقة والأجساد التي تناثرت ولم يعثر على أجزائها. نحن بحاجة إلى موضوع يتساوق مع أطنان الشظايا الواقفة في المنزل والسائرة في الشارع والجالسة في المقهى.
نجوتُ من حزام ناسف في شارع المكتبات، ومن مكان ملغوم (ابن النما) وثلاث سيارات مفخخة، الأولى في رأس شارعنا حي الطيارة، وأخرى وكانت الأقرب في كاراج باب الحسين، والثالثة في الخسروية، وطلقة جندي أميركي. فقدتُ العشرات من عائلتي وأصدقائي. إنها سطوة القتل التي تمرسوا وتمرسنا عليها.
من هم؟ ومن نحن؟ كلانا لا يعرف. لكننا ندرك جيداً في سرّنا أنها أنياب الدين التي تنبت على أعناقنا.
عقب المقابر الإنسانية، اخترنا هذه المرة المقابر الصناعية. وأيّ صناعية؟! إنها مقابر السيارات المفخخة المفتوحة الفم التي بلعت تلالاً من السنوات، حتى وضعناها بالقرب من مساكننا، لا لنتذكر عبرها وإنما لنواصل وجودنا فيها.
كلما رأيتُ لجنة مكافحة المتفجرات مجتمعة تحاول كسر زجاج سيارة مشبوهة، شعرتُ بأنها اللحظة الأخيرة لبقاء أعضائي متصلة. فانفجار السيارة المفخخة مختلف عن سواه من أنماط التفجيرات الأخرى. فالمشهد كالآتي:
جناحٌ للقطةِ على سياج دائرة الكهرباء.
جناحٌ للسياج.
جناحٌ لسبعة عمال بناء.
جناحٌ لرأس بائع الخضروات.
جناحٌ للخضروات.
جناحٌ لساقَي الطفلة وهي في طريقها إلى المدرسة.
جناحٌ لحقيبتها.
جناحٌ لجلود ركاب الباص.
جناحٌ للدراجة الهوائية وراكبها والخبز الذي معه.
جناحٌ للإسفلت وأعمدة الكهرباء ولافتات المحال.
جناحٌ لطبلة الأذن.
جناح للعاجل في التلفاز.
هكذا هي السيارات المفخخة وهي تمنح الأجنحة لكل شيء. لذا جاء قرارنا أن الكتابة لا يمكن أن تكون أو تقدَّم إلا هناك، حيث المئات من البقايا التي لم تمنح أجنحة إلى الآن.
شارك في الفعل، كل من: مازن المعموري، كاظم خنجر، علي ذرب، حسن الغبيني، أحمد جبور، علي غصلان، حسن تحسين، عباس حسين، وسام علي، محمد كريم، احمد ضياء، وعلي تاج الدين (لم يحضرا).


