اتصل بنا
 

جبرون: فرنسا خلّفت بالمغرب نوعا من العداء تجاه الدين

نيسان ـ نشر في 2015-10-18 الساعة 14:47

جبرون: فرنسا خلفت بالمغرب نوعا من
نيسان ـ

قالَ محمد جبرون، الباحث في التاريخ والفكر السياسي والأستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة، إنَّ مجتمعات بُلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحاجة، اليوم، إلى إنتاجِ "حداثة خاصّة بها"، تتلاءم مع الخصوصيّات الدينية والثقافية لمجتمعات المنطقة، مُوضحا أنَّ مفهوم "الدولة الحديثة" ليْس جَمَدا أوْ مُعطى ثابتا لا يتغيّر، بلْ يُمْكن تكييفه حسبَ خصوصيات كلّ مجتمع.

جبرون، الذي كانَ يتحدّث في الملتقى الثاني للباحثين الشباب في العلوم الاجتماعية والإنسانية، المنظم بالرباط من طرف "مركز أفكار للدراسات والأبحاث"، بشراكة مع مؤسسة "هانس زايدل الألمانية" حول موضوع "المسألة الدينية والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في المغرب الكبير"، أشار إلى أنّ الدّينَ لا يُشكّل عائقا نحوَ بناءِ الدولة الحديثة، مُستدلّا بحالة دُولٍ غربيّة وجدتْ صيغة لعلاقة الكنيسة بالسياسة، مثل ألمانيا.

وردّا على الآراء القائلة باستحالة بناءِ دولةٍ حديثة وفْقَ المعايير الديمقراطيّة، قالَ جبرون إنَّ ذلك غيرُ صحيح، رابطا سيادَة هذا الرأي لدى فئات من المجتمع المغربيّ بالتأثر بمخلّفات استعمار فرنسا التي تتبنّى نظاما علمانيا "متطرّفا" للمغرب، موضحا: "مشكلتنا في المغرب هي أنَّ الحماية الفرنسية خلّفتْ "إرثا موسوما بنوع من الخصومة والعداء للدّين".

واعتبرَ المتحدّث أنَّ مجتمعات بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحتاجُ لبناء الدولة الحديثة، مع الاحتفاظ بخصوصيتها، إلى "تسويّة" لا تتعارضُ مع هذه الخصوصية، بما يضْمنُ عيْش الجميع تحتَ سقْف واحد، دونَ إقصاء طرفٍ لآخر، لافتا إلى أنَّ من أبرز الأسباب التي أدّتْ إلى ظهور الإرهابَ كون جهاتٍ ترى أنَّ الإسلامَ مقصيٌّ ومعزول.

وبخصوص الحالة الدينية في المغرب، قالَ جبرون إنَّ الصيغة المغربيّة وجدتْ حلولا لعدد من الإشكاليات المجتمعية، وأحدثت توافقا بيْن المجتمع المدني والمجتمع السياسي في عدد من القضايا، مثل الإجهاض، غيْرَ أنّه أشار إلى أنّ ثمّة حاجة إلى "مجتمع مدني ديني"، يتشكل من فاعلين دينيين يُمكن أنْ يمارسوا نوعا من "المعارضة" لتحقيق "الحكامة الدينية".

وبالعوْدة إلى المراحل التي مرّتْ منها علاقة الدولة بالدين في المغرب، قالَ جبرون إنّها تميّزتْ بثلاثة مراحل، المرحلة الأولى امتدّتْ منْ بداية الاستقلال إلى وفاة الملك محمد الخامس، وهي مرحلة لمْ يكنْ فيها للدولة منهج واضح للخطّ الديني، إذْ ورثت ما كانَ سائدا خلالَ فترة الاستعمار، وكانَ الشأن الديني يُدارُ من طرف قطاعات متعدّدة، مثل الأحباس ووزارة العدل.

وأضاف الباحث في التاريخ والفكر السياسي، أنَّ حكومة 1957 في عهد الملك محمد الخامس "لم تكن تهتمّ بالشأن الديني"، ولم يكن القيّمون الدينيون والتعليم الديني تابعا لوزارة واحدة، غيْرَ أنَّ هذا التعاطي مع الشأن الديني سيتغيّرُ في المرحلة الثانية، حينَ تولّى الملك الراحل الحسن الثاني مقاليد الحكم، حيث تمّ "استعادة الوعي بالخصوصية الدينية للمغرب".

وأبْرزُ تجلّيات "استعادة الوعي بالخصوصية الدينية"، بحسب تعبير جبرو، إطلاق وصف "أمير المؤمنين" على الملك الراحل، في دستور 1962. وأضاف المتحدّث أنَّ حمْل الملك لِصِفة "أمير المؤمنين" كانتْ بدايةَ عملية استعادة الوظيفة الدينية، حيث أتيحتْ للملك رعاية السياسة الدينية والإشراف عليها، ونقل ثقل المجال الديني إليه بعدما كان العلماء سلاطينَ هذه الوظيفة.

وخلُصَ جبرون إلى أنَّ مرحلة الحسن الثاني، أو ما وصفها بمرحلة "استعادة الوعي بالخصوصية الدينية"، تميزتْ بمجموعة من الخصائص، أولاها الاستعادة التدريجية لوظائف الدين للدولة، حيث صارت الدولة تعي الالتزامات الدينية للمجتمع، ونهج سياسة الترشيد والحوار مع المكونات الإسلامية التي تنازع الشرعية الدينية للملك، وتشديد الخناق على الأطراف التي تعارض أسس النظام، والعمل على حصر العمل الإسلامي في البُعد التربوي والحيلولة دون اقتحام العمل السياسي.

أمّا المرحلة الثالثة، بعْد تولّي الملك محمد السادس الحكم، فقد وصفها جبرون بـ"مرحلة النضج"، قائلا إنها تميّزتْ بالوعي بالخصوصية الدينية وبناء الدولة الإسلامية، وتتمة صرح بناء الدولة الإسلامية الحديثة في المغرب، حيثُ كثّفت الدولة إصلاحات الحقل الديني، وازداد حجمُ الإنفاق العمومي عليه، مشيرا إلى أنَّ ذلك يدلّ على "مكانة الدّين في إستراتيجية العهْد الجديد".

واعتبرَ المتحدّث أنَّ عهد محمد السادس تميّز باستعادة المحتوى التاريخي للتديُّن المغربي، واستدعاء كل مكونات هذه الخصوصية، وهُو ما أفرز "تديُّنا تاريخيّا مغربيّا"، بحسب تعبير المتحدث، مُشيرا إلى أنَّ الوعيَ بالخصوصيّة الدينية للمغرب الذين انطلق في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بعد سنة 1993، تعزّزَ في عهد الملك محمد السادس، حيثُ تعمّق هذا الوعي "لتحصين نمط التديّن المغربي، وحمايته من التطرّف السلفيّ"، يقول المتحدث.

نيسان ـ نشر في 2015-10-18 الساعة 14:47

الكلمات الأكثر بحثاً