اتصل بنا
 

في جذور ثورة نساء إيران: حين انتفضت السينمائيات في وجه الملالي

نيسان ـ نشر في 2022-12-23

في جذور ثورة نساء إيران: حين
نيسان ـ هناك دائماً توقع لحراك شعبي ما في إيران. فالمراقبون اعتادوا أن يتوقعوا شيئاً من ذلك مرة أو أكثر من مرة في كل عام أو عامين، وذلك كلما بدا وكأن قبضة السلطات على أعناق الناس تخف أو تشتد بحسب الظروف، لكن الأمور تفاقمت هذه المرة بأكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى وعلى الأقل منذ سيطر المتشددون على الحكم في بلد بات يضجره وجودهم على سدة الحكم فيه، سواء تباهوا بأزيائهم الدينية أو تنكروا في أثواب مدنية. واللافت أن الأحداث التي تعرفها إيران الآن ومنذ أشهر تتزيى بثياب نسائية وتتحلى بإلقاء الحجاب المفروض من السلطة جانباً. ففي نهاية الأمر معظم الحراك هذه المرة يبدو حراكاً نسائياً انطلق من حكاية "بسيطة" لفتاة لم تضع حجابها كما هو مفروض عليها فانتهت ضحية عقاب بالقتل حكم به عليها المتشددون الذين لم يرقهم ما فعلت وكونها امرأة وكونها كردية فقتلوها. واندلعت ثورة لا يبدو أنها ستخمد قريباً شارك فيها نساء ورجال، لا سيما من بنات وأبناء جيل لا يعنيه من أمور الثورة الخمينية شيء. ودهش العالم لما يحدث ولما تطورت إليه الأحداث. دهش خصوصاً لأنه وجد نفسه في آن واحد أمام صراع أجيال تقوده المرأة التي لم يكن أحد يحسب لعنادها وجرأتها حساباً.
سؤال بسيط ومحير
لكن رد الفعل هذا كشف كم أن ذاكرة العالم قصيرة وانتقائية. فهو عالم نسي كل شيء عن تلك الجذور التي كان لا بد أن يغوص فيها ليكتشف كيف أن السينما كانت البداية، بل تمثلت تلك البداية في سؤال بسيط لم يتنبه كثر يومها إلى الكيفية التي طرح به: ماذا تفعل إذا كنت سينمائياً جاداً طموحاً، وتعيش في بلد يحرم عليك أن تصور في فيلمك امرأة من دون غطاء للرأس، ومع هذا يلح عليك عنادك أن تصور هذه المرأة حاسرة الرأس؟ بكل بساطة، لأن ما هو ممنوع من الظهور هو الشعر نفسه، لا الرأس، تصور المرأة حليقة الشعر. هذا، على الأقل، ما فعلته المخرجة الإيرانية مريام شهريار، في فيلمها الروائي الطويل الأول "بنات الشمس" الذي ما إن عرض في إيران ذات يوم من عام 2005، حتى أثار عاصفة. ورأى كثيرون أن المخرجة كانت تحاول أن "تحتال" على الأعراف والقوانين المعمول بها في "الجمهورية الإسلامية" منذ نحو ربع قرن. غير أن ما فعلته مريام شهريار، لا يمكن اعتباره احتيالاً ولا التفافاً، بل من صميم موضوع فيلمها. فهنا البطلة الشابة آمانغول التي- بحسب ما يروي الفيلم- تضطر إلى التخلي عن شعرها الأسود الطويل، لأن أباها أراد أن تتنكر في زي شاب لتتمكن من العمل في ورشة لحياكة السجاد. وبالفعل تتوجه آمانغول للعمل هناك، حيث ترسل إلى أهلها مرتبها الذي يعينهم في حياتهم البائسة. وتظل الأمور على ما يرام، حيث لا يكتشف أحد شخصية آمانغول الحقيقية حتى اللحظة التي تقع في غرامها- معتقدة إياها شاباً بالطبع- زميلة لها في العمل هي بلقيس.
استلهام "الشيطان الأكبر"
عند هذا الحد قد يبدو "بنات الشمس" شبيهاً بالفيلم الأميركي "الصبيان لا يبكون" وفيلم باربرا سترايساند "ينتل" المأخوذ عن رواية لاسحق باشفنس سنغر، لكن التشابه يظل عند السطح، ذلك أن "بنات الشمس" لا يستخدم هذه الحبكة إلا للتعبير عن أمور أخرى تماماً. وربما، في المقام الأول، لتقديم امرأة على الشاشة الإيرانية- للمرة الأولى في العصر الحديث- من دون التشادور الشهير. والفيلم نجح في تحقيق هدفه على الرغم من الصعوبات التي واجهته، والاعتراضات التي قامت ضده. نجح ليسجل نقطة أخرى لمصلحة المرأة الإيرانية: هذه المرأة التي طردتها السياسة من الباب، قبل ربع قرن، وها هي السينما تعيدها الآن من الشباك. وليس فقط في المعنى الرمزي للكلمة. صحيح أن "بنات الشمس" ليس تحفة فنية، بل إنه، حتى في مجال دفاعه عن حق المرأة الإيرانية في الوجود، لا يرقى إلى فيلم آخر عن النساء، حققه المخرج جعفر باناهي، مساعد عباس كياروستامي السابق، بعنوان "الدائرة" وشكل قنبلة فنية واجتماعية حقيقية قبل ذلك بعامين، لكن "بنات الشمس" يأتي في سياق استعادة المرأة بعض المبادرة في مجتمع يصر المحافظون على أن يبقى مجتمعاً رجالياً، وأن يحافظ فيه للمرأة على مكان أثير وآمن هو البيت، مخدعاً ومطبخاً.

حضور سياسي واجتماعي
ولكن هذا الواقع المر الذي كان نجح إلى حد ما في أفغانستان أيام فترة حكم "طالبان" الذي نهض ضد المرأة في فورة مدهشة ها هي تعود منذ فترة، ما كان له أن يستمر في إيران... ليس فقط لأن طبيعة المجتمع مختلفة، على الرغم من ضروب التشابه التي حاول المحافظون فرضها، بل تحديداً لأن المرأة الإيرانية لم يكن بمقدورها أن ترضى بذلك. فتاريخ تحرر المرأة في إيران يشهد له القرن الـ20، خصوصاً أن هذه المرأة كانت بلغت مستوى من الحضور والعمل السياسي والاجتماعي، خلال السنوات الـ10 السابقة على الثورة الخمينية ما يجعل من المستحيل قبولها بوضعية دونية. وحسبنا أن نشاهد فيلم "النصف الخفي" للمخرجة تهمينة ميلاني، الذي أنجز العام عند بدايات القرن الجديد. ولفت الأنظار في غير مهرجان عالمي حتى نتحقق من هذا.
جرأة غير مسبوقة
وفيلم "النصف الخفي" الذي قامت ببطولته الممثلة الشابة نيكي كريمي حمل، حتى من دون أن تكشف بطلته عن شعرها، قسطاً من الجرأة لم يسبق لأي فيلم إيراني آخر أن حملها، خلال السنوات الأخيرة. صحيح أن ميلاني دفعت الثمن، سجناً واضطهاداً وخسارة مالية إذ أنتجت الفيلم مع زوجها، لكن "النصف الخفي" ظل موجوداً، لا يروي فقط حكاية بطلتها امرأة قوية وذات حضور، بل نضال القوى اليسارية وتضحياتها التي أوصلت الثورة إلى انتصارها، قبل أن يبتلع المتشددون الثورة كلها.
يوم ظهرت سميرة وأمها
مريام شهريار وتهمينة ميلاني هما من بين الأشهر بين صانعي السينما في إيران حالياً، وربما خارجها أيضاً، حتى وإن كان عالم السينما الخارجي عاش طويلاً لا يعرف- على الرغم من إعجابه بالسينما الإيرانية وتعاطفه الكبير معها- سوى أسماء صانعيها الرجال، من عباس كياروستامي إلى مجيد مجيدي، ومن محسن ماخمالباف إلى جعفر باناهي ومحمد رسولوف وصولاً طبعاً إلى أصغر فرهادي مروراً بعشرات الأسماء، وبعضها كان له حضوره الكبير حتى قبل الثورة. ولاحقاً حين انكشفت الأمور أكثر وأكثر، اكتشفت المهرجانات الصبية الحسناء سميرة ماخمالباف ابنة محسن، التي فاجأت عالم السينما، وهي بعد في الـ18، حين قدمت فيلمها الروائي الطويل الأول "التفاحة" ثم أتبعته بفيلم روائي طويل هو "اللوح الأسود" صفق له العالم. ولم تتوان مجلة فرنسية سينمائية شعبية من أن تصف سميرة بـ"المرأة الأولى". وتدافعت المهرجانات لدعوة سميرة وأفلامها، واختيرت عضواً في لجان تحكيم مهرجانات عالمية، من بينها مهرجان كان. لقد كان ظهور سميرة ماخمالباف "مفاجأة" طيبة للغرب، غير أن جانباً مضحكاً رافق كل ذلك، فسميرة لم تكن "المرأة الأولى" في السينما الإيرانية ومن المؤكد أن الفيلمين اللذين حققتهما، وكتبهما والدها محسن، الذي عرف كيف يحول مهنته وأسرته مؤسسة حقيقية، لم يكونا الأفضل بين الأفلام التي تحققها نساء إيرانيات.

بل منذ السنوات الأولى للثورة، لم تتردد المرأة الإيرانية، وهي تحت أغطية رأسها، في خوض غمار السينما، واصلة في التعبير إلى مستويات لم يبلغها سوى قلة من رجال السينما الإيرانية. ومن المدهش أن الغرب سكت طويلاً عن تلك الظاهرة، وانتظر ظهور سميرة قبل أن يبدأ- خجولاً- بالحديث عنها. ومن الواضح أن حضور المرأة- السينمائية الإيرانية، ليس فطراً ينبت في صحراء، بل إنه جزء أساسي من نسيج هذه السينما التي تفاجئ وتدهش منذ سنوات. وهي في مجملها- إذا وضعنا جانباً بعض الأفلام الدعائية المرتبطة مباشرة بأيديولوجية المحافظين- سينما متقدمة تقف إلى جانب المجتمع والتقدم والقيم الإنسانية الكبرى، حتى ولو كانت اضطرت- ولا تزال حتى الآن إلى حد كبير- إلى الاختباء خلف مواضيع تتمحور حول الأطفال. وحتى في مثل هذه الأفلام، كان واضحاً أن السينما الإيرانية، الأفضل، تقف علناً إلى جانب المرأة في مجتمع يحاول الرجال أن يصنعوه كما يروق لهم.

نيسان ـ نشر في 2022-12-23


رأي: إبراهيم العريس

الكلمات الأكثر بحثاً