الرنتاوي: روسيا انجزت تفاهماتها مع اسرائيل حيال سوريا وحجمت الدور الايراني
نيسان ـ نشر في 2015-10-27 الساعة 10:50
نظم منتدى عبدالحميد شومان الثقافي جلسة حوارية مع مدير مركز القدس للدراسات السياسية الكاتب والمحلل السياسي عريب الرنتاوي بعنوان "آفاق الأزمة السورية في ضوء الاتفاق النووي الإيراني والتدخل الروسي في سوريا" ورأس الجلسة وأدارها وزير الصحة الأسبق الأديب د. زيد حمزة.
وقال الكاتب عريب الرنتاوي، إن التدخل الروسي في سوريا جاء محكوماً بدوافع وأهداف استراتيجية عدة، من بينها نظرة موسكو لسوريا والحرب على الإرهاب في المنطقة بوصفها خط الدفاع الأول عن الأمن الروسي الداخلي، بوجود أزيد من عشرين مليون مسلم في الاتحاد الروسي وحزام من الدول والمجتمعات الإسلامية المحيطة بها، وأن سوريا هي موطئ القدم الأخير لروسيا في مياه شرق المتوسط الدافئة، فضلاً عن مصلحة روسيا في قطع الطريق على مشاريع أنابيب النفط والغاز الخليجية التي كانت ستتخذ من سوريا ممراً لها في الطريق إلى الموانئ التركية على المتوسط.
وأوضح الرنتاوي، أن هذا التدخل، وضع سقوفاً للأدوار التي يمكن للأطراف الإقليمية أن تلعبها في سوريا، فهو من جهة، رسم حدوداً للدور التركي في شمال سوريا، وقلص حجم النفوذ والتأثير الإيرانيين في تقرير مسارات الأزمة السورية، وأنجز تفاهمات مع إسرائيل حول حدود التدخل الإسرائيل وضوابطه، وأعاد تظهير وموضعة الدور الأردني في جنوب البلاد.
وأضاف الرنتاوي، أن الصراع الدائر في سوريا وعليها، قد أفضى إلى إنهاك مختلف الأطراف المتورطة فيه، فالسوريون على ضفتي المعادلة، فقدوا منذ أن انتقلت الأزمة من "الأقلمة" إلى "التدويل"، القدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، والأطراف الإقليمية تعاني "نزيفاً" في الموارد وتتهددها تداعيات الأزمة السورية وانعكاسها على نحو غير مسبوق ... فتركيا بدأت تواجه خطر "السورنة" مع تفاقم الأزمة الكردية ونشوء "مسألة علوية" وتزايد التهديد الإرهابي، وتضعضع مكانة الحزب الحاكم وتآكل نفوذه الداخلي ... وإيران، الخارجة من رحم حصار دولي خانق، تعطي أولوية كبرى لاستثمار نتائج اتفاقها النووي مع الغرب، لإعادة بناء وترميم بنيتها الاقتصادية وبناها التحتية المتهالكة، بعد أن قدمت الكثير من التنازلات للوصول إلى هذا الاتفاق ... فيما العربية السعودية، تخوض حرباً متعددة الجبهات تفوق قدرتها على الاحتمال إذا ما استمرت ازمة انخفاض أسعار النفط وعائداته، فضلاً عن تفاقم التهديدات الداخلية، من أمنية واجتماعية وسياسية متصلة بمنظومة الحكم وانتقاله من جيل إلى جيل آخر.
أما اللاعبون الدوليون فيقول الرنتاوي، أن الرئيس أوباما استبعد منذ اليوم الأول للتدخل الروسي في سوريا، أن تكون بلاده بصدد إدارة "حرب بالوكالة مع روسيا في سوريا، أو أنها ماضية إلى حرب استنزاف معها، مفسراً التصعيد في لهجة الخطاب الأمريكي مؤخراً، بأنه محاولة لابتزاز المزيد من التنازلات من موسكو على مائدة البحث عن حل سياسي للأزمة، وقال أنه "كلما اقتربت الدول الكبرى من لحظة الانزلاق إلى قعر الهاوية، كلما تعاظم استعدادها للابتعاد خطوة للوراء عن حافتها"، مشيراً إلى الأهمية التي تتربت على تنامي الضغوط الأوروبية الرامية لترجيح كفة الحل السياسي في ظل تفاقم التهديد الإرهابي والتحدي الناجم عن طوفان اللجوء السوري الجارف.
إيران بعد النووي
وحول الدور الإيراني في سوريا بعد توقيع طهران اتفاقاً حول برنامجها النووي مع المجتمع الدولي، استبعد الرنتاوي أن يكون لهذا الاتفاق أثراً فورياً ومباشراً على سياقات تطور الأزمة السورية، موضحاً أن أثر هذا الاتفاق على الأزمات الإقليمية في المنطقة، سيتضح بصورة أكبر في المديين المتوسط والبعيد، بعد أن تتفاعل انعكاساته على موازين القوى داخل إيران نفسها، بين تيارين إصلاحي، يسعى في الانتقال بإيران من الثورة إلى الدولة، ومحافظ، يعطي الأولوية الأولى لـ "رسالة الثورة" وأهدافها التوسعية ... لكن الرنتاوي استدرك بالقول، أن مجرد التوقيع على الاتفاق النووي، وإقراره في مختلف المؤسسات الدستورية الإيرانية، قد أكسب التيار الإصلاحي نقاط كثيرة لصالحه، وأشار إلى أن الانتخابات المقبلة في طهران، لمجلسي الشورى والخبراء العام المقبل، ستكون أول اختبار لتوازن القوى الجديد بين هذين التيارين، داعياً إلى "تفكير جديد من خارج الصندوق" لإعادة صياغة وهيكلة العلاقات العربية – الإيرانية على قاعدة الاعتراف المتبادل بالمخاوف والمصالح المتبادلة، والإقرار بالحاجة لحل النزاعات بالطرق السلمية والدبلوماسية والتفكير الجاد والجدي، في إنشاء منظومة إقليمية للأمن والسلم والتعاون، تنخرط فيها إيران وتركيا ودول الخليج والمشرق ومصر، بداية، تنقذ المنطقة من الانزلاق إلى "حرب المائة" بين معسكراتها المتناحرة سياسياً ومذهبياً وعقائدياً.
"تقاسم وليس تقسيم"
وتوقع الرنتاوي أن يستمر السباق المحموم بين مساعي الحل السياسي والتصعيد الميداني سوريا، تعبيراً عن رغبة الأطراف في تعزيز حضورها على مائدة الحوار والتفاوض من أجل تقاسم النفوذ في سوريا المستقبل، مشدداً على أن "التقاسم وليس التقسيم"، هو السيناريو المرجح لمستقبل سوريا، معرباً عن اعتقاده بان يسفر الحراك السياسي والدبلوماسي الراهن بشأن الأزمة السورية، إلى تبلور رؤية مشتركة للحل، تقوم على حفظ وحدة سوريا والإبقاء على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، تفادياً للانزلاق في سيناريوهي ليبيا والعراق، على أن تتشكل في المرحلة المقبلة حكومة اتحاد وطني أو حكومة انتقالية كما يريدها البعض، تأخذ قسطاً من صلاحيات الرئيس، وتشرف على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة، وتعمل على إعداد دستور جديد للبلاد، يعتمد نظاماً برلمانياً أو برلمانياً/ رئاسياً مختلطاً، ويوسع مساحة "اللامركزية" ويضمن حقوق مختلف المكونات الاجتماعية السورية.
وسيسبق الوصول إلى إنفاذ هذا الحل، سلسلة من إجراءات بناء الثقة بين الأطراف، مثل وقف شامل للمعارك بين الأطراف المحتربة باستثناء الجماعات الإرهابية، وإطلاق سراح المعتقلين والكشف عن المفقودين وفك الحصار المضروب حول بعض البلدات والمناطق المؤيدة للنظام أو للمعارضة، ومن ضمن آلية يشرف عليها المجتمع الدولي.
"الثورة" و"المؤامرة"
وكان الرنتاوي قد عرض في بداية محاضرته، إلى مقدمات الأزمة السورية وظروف تشكلها، واستعرض بعض جوانب الجدل الذي لم ينقطع حتى اليوم، حول "ماهية" ما يجري في سوريا: ثورة أم مؤامرة، موضحاً أن ما شهدته سوريا من تحركات شعبية غاضبة، جاء رداً على فشل الدولة السورية في تلبية تطلعات شعبه بكل مكوناته، للحرية والكرامة والتنمية، مع انسداد آفاق المشاركة السياسية الفاعلة، في ظل نظام قمعي اختزل الشعب بالحزب، والحزب بالطائفة والطائفة بالعائلة والعائلة بـ "الأسد إلى الأبد"، وأن الشعب السوري لديه من ما يكفي من الأسباب للتعبير عن غضبه تطلعه لحياة أفضل، وبهذا المعنى فإن ما حدث، كان ثورة موصوفة وبامتياز.
لكن الرنتاوي، توقف أمام السياق الجيوسياسي الذي أحاط بالأزمة السورية ورافقها منذ بواكيرها الأولى، مشيراً إلى أن النظام السوري كان في قلب دائرة الاستهداف منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق، والدور الذي لعبه وحلفاؤه، في دعم "المقاومات المسلحة" ضد الوجود الأمريكي في العراق، بمن فيها الجماعات السلفية الجهادية، ليواجه بعد ذلك التداعيات المريرة لجريمة اغتيال الحريري في لبنان، حيث وجد النظام نفسه في مأزق خانق، لم يخرجه منه، سوى فشل المشروع الأمريكي في العراق، وانكفاء النفوذ الأمريكي في المنطقة بعد حربين فاشلتين، والنجاحات التي حققها حزب الله في حرب تموز 2006 وفوز حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في السنة ذاتها، ما أثار المخاوف من "هلال شيعي"، واستدعى التحضير لشن هجوم مضاد على أطراف هذا الهلال ومكوناته، إلى ان سنحت الفرصة في سياقات الربيع العربي، فكانت عملية "تسوية الحساب" مع النظام السوري وحلفائه.
حرب الطاقة والأنابيب"
وتوقف الرنتاوي عند "حرب الطاقة والأنابيب"، حيث أشار إلى أن الدول الأكثر عداءً للنظام السوري، هي ذاتها التي كانت الأكثر انفتاحاً عليه، وتحديداً قطر وتركيا وفرنسا، تلك الدول التي احتضنت الأسد وأسهمت في تفكيك أطواق العزلة عنه عامي في نهاية العقد الأخير، معوّلة على قبوله بتسيير انابيب النفط والغاز الخليجيين إلى الموانئ التركية على المتوسط، قبل أن "يخذلها" الأسد، ويفضل عليها مشاريع أنابيب الغاز والنفط الإيرانية، لتعود هذه الدول، وللغاية ذاتها، بالتشديد على الحاجة لتغيير النظام واستبداله بنظام "صديق" لها.... ولاحظ الرنتاوي أنه كلما كانت الأزمة السورية تتقادم وتتفاقم، كلما كانت "الثورة" تتراجع لصالح "المؤامرة"
بين المعارضة والنظام
وانتقد الرنتاوي إدارة كل من النظام والمعارضة للازمة السورية، فالأول أمعن في خياراته الأمنية والعسكرية وسد كل نوافذ المعالجات السياسية، وانتابته "حالة إنكار" لوجود معارضة وثورة، بل والعمل على "شيطنتهما" و"دعشنتهما"، واعتمد "خطاب المؤامرة" لتفسير كل ما يجري على الأرض السورية... في حين ذهبت المعارضة في خيار العسكرة والتسلح والرهان على التدخل الدولي والارتهان لعواصم الإقليم والاستتباع لها، كما حمل على "حالة الإنكار" التي عاشتها المعارضة إزاء صعود خطر الجماعات الأصولية المتشددة، التي ستصبح فيها بعد، لاعباً رئيساً، يلتهم المعارضة ويطبعها بطابعه المتطرف والعنيف.
وانتقل المحاصر لشرح الكيفية والظروف التي لابست تحوّل الأزمة السورية من أزمة وطنية، إلى أزمة إقليمية، وقال أن "أقلمة" هذه الأزمة ساهم في تعقيدها وسد سبل الحلول السياسية لها، في ظل احتدام المعارك بين المعسكرات الإقليمية المتناحرة، وتضارب أجنداتها في سوريا، مشير إلى أن عجز الأطراف الإقليمية عن التوصل إلى معالجات لهذه الأزمة، قد دفع بها إلى "التدويل"، خصوصاً مع تفاقم خطر الإرهاب، ولاحقاً طوفان اللجوء السوري الذي بات عاملاً محركاً للسياسات الأوروبية بخاصة، حيال سوريا والإقليم.


