اتصل بنا
 

ريم أبو مغلي تكتب: سلام عليك يا سلام

نيسان ـ نشر في 2015-11-01 الساعة 13:12

ريم أبو مغلي تكتب: سلام عليك
نيسان ـ

بقلم ريم أبو مغلي

في أحد أيام الصيف الحارة ، وبينما كانت تقوم بتنشيف الصحون المكومة على جانب المجلى... أضاءت برأس سلام صورة تسلل شعاعها من بين الحطام، فرأت نفسها تقف أمام منزلها تراقبه و هو ينهار لحظة تطاير زجاج أحد الصحون الى وجهها، وكأنه مشهد من فيلم ثلاثي الأبعاد .

اقتحمت السيدة أم محمد المطبخ قائلة : أخبريني بالله عليك يا سلام ما هو سبب اصرارك على الوقوف أمام النافذة ؟!

فمسحت سلام دموعها السائلة على وجهها المبلل بالأسى ، ثم أجابت بصوت خارج من بين فكين صدءا من قلة الحديث : لأنني محتاجة الى هواء خال من رائحة البارود و الدم .

صمتت أم محمد ... عجزت عن مواساة سلام، شعرت بأن وجعها وألمها أكبر من أن تقول شيئا..

.........................

في غرفة المعيشة ، كان أبو محمد وأصدقاؤه ملتفون حول التلفاز حيث تتوالى اللقطات في مسلسل "الحرب السورية": بنادق تغربل أجساد الرجال ... أم منتحبة تضم بقايا رضيعها الى صدرها ... فتاة تتوسل جثتي أخويها كي تهربا معها ...

غادر الرجال المنزل ، فدخلت أم محمد الى الغرفة ... جلست على حافة كنبة الألم ... وضعت رأسها على كتف زوجها وأمطرته بهطل من الدموع، فأخرج أبو محمد سيجارة التشنج وأخذ ينفث دخان بكاءه المكتوم.

...........................

أنهت سلام عملها ... لملمت أوجاعها واتجهت نحو غرفة الجلوس، طرقت الباب واستأذنت السيدة أم محمد بالمغادرة، ففركت أم محمد عينيها الوارمتين ثم قالت: ولكن لم يبق سوى الليل في الخارج يا سلام ، كما أن أبا محمد مسافر الآن و لا أريد البقاء وحدي ، نامي هنا الليلة وغدا صباحا تغادرين .

فردت سلام والارتباك يلف كلماتها: شكرا لك يا سيدتي ولكنني لا أستطيع فعلي شراء الدواء لأمي.

في هذه الأثناء كان أبو محمد قد انتهى من توضيب حقائبه ، و قبل أن يهم بالخروج التفت الى سلام قائلا : أعطني اسم الدواء الذي تريدين شراءه سأحضره لك و تأخذيه الى أمك غدا صباحا ، أما الآن فلن أسمح لك بالخروج ، فالسماء الليلة مطفأة لا نجوم فيها ولا قمر والشوارع خالية من البشر .

ودعت أم محمد زوجها ... تأكدت من أن الباب مغلق باحكام ، ثم أخذت بيد سلام الى غرفة الجلوس حيث لا يزال عرض مسلسل " الحرب السورية " مستمرا.

جلست سلام على احدى الكنب ... تكاثفت الدموع على عدستي عينيها ... صرخت (كفى)....(كفى) حتى خارت قواها و فقدت وعيها ، فما كان يعرض على الشاشة من حرق لبلادها و ذبح لأهلها فاق قدرة جسدها على التحمل .

بدأت الغيوم السوداء المنتشرة في سماء الغرفة تتلاشى ... فتحت سلام عينيها ، فوجدت أم محمد راكعة بجانبها تفرك يديها و تنادي باسمها .

عدلت سلام جلستها... تنهدت بعمق ، ثم قالت : عند منتصف احدى ليالي الشهور – التي لم نعد نميزها – و بينما كنا نائمين بأمان أخذ الرصاص يكال على عمارتنا بلا حساب ، فتركنا بيوتنا وهبينا الى الخارج فزعين.

تم التقاط الرجال ... نخرت أجسادهم ... انطووا على أنفسهم ... تدفقت دماؤهم ثم تهاووا ، فرن صدى صراخنا في أرجاء الحي المرتعد هلعا .

و أهلك ؟ سألت أم محمد بصوت متهدج .

فأجابت سلام و الدموع تطفر من عينيها : ذات معركة ... داهم الرصاص جسدي أبي و أخي و وزع قطع لحمهما على جدران الحي و أبوابه ، أما زوج أختي فلم يكن موجودا في أي مكان نعرفه .

نظرت أم محمد الى عيني سلام الذابلتين ، قائلة : أرجوك يا سلام وفري قليلا من الحزن تشفقين به على نفسك .

فردت سلام و حيز الألم يكبر على وجهها : كيف لي أن أفكر بنفسي بعد أن نزفت أنهار الوطن دما ؟ كيف و قد قطعت خصل الياسمين و تحولت " البحرات " الى محاجر في بقايا المنازل ؟

أرجوك يا سيدتي دعيني أفرغ ما في جوفي ، علي أتخلص من طعم الدم الذي راح يكتسح حلقي مع كل شهيد و كل ضحية .

أكملي يا سلام ، قالت أم محمد و قد احمر وجهها .

فتابعت سلام حديثها بصوت مرتجف : لقد تحولت البلاد الى فسيفساء عسكرية : صواريخ منصوبة ... قذائف على أهبة الاستعداد ، و حواجز في كل مكان .

لم يبق لنا حياة في حينا ، و كان لا بد من الرحيل لحماية من تبقى من السكان ، فركبنا على سرج الخوف العربي الأصيل متجهين الى أقرب حدود .

تبعثرنا بين البساتين ... سلكنا طرقا يحفها القناصة و تسيجها الأشواك .

و بعد ثلاثة أيام من الهرب من الموت و الصراع مع الشقاء وصلنا حدود دولتكم .

آآآآآآه يا سيدتي ، لا أقول سوى حسبي الله و نعم الوكيل في من كان سببا في معاناتنا .

فقالت أم محمد من على حافة البكاء : اطمئني يا سلام ، لا بد أن تنكشف الغمة و .....

فقاطعتها سلام مستنكرة : و لكن هل يعقل أن يفلت المجرمون من العقاب ؟!

فأجابت أم محمد بنبرة محشوة بالتفاؤل : لا تقلقي يا سلام ... سوف يأتي يوم يحاسب فيه كل من آذى برئيا أو حتى جبن و كان شيطانا أخرسا .

فردت سلام و الأمل يسيل على شفاهها : ان شاء الله ، فأنا أتوق الى ذلك اليوم الذي ستنفض فيه بلادي رماد الحرب عن نفسها ، و تنهض لتفتح أبواب السلام و نوافذ الحياة من جديد .

ولما بخرت حرارة الشمس ظلام الأرض ، غادرت سلام منزل أم محمد تاركة اياها معلقة على جدار الألم .

نيسان ـ نشر في 2015-11-01 الساعة 13:12

الكلمات الأكثر بحثاً