ريم ابو مغلي تحكي قصة (ماجد)
نيسان ـ نشر في 2015-11-04 الساعة 12:10
تنويه :"ماجد" اسم مستعار لرجل في الثلاثين من عمره .. أما القصة فمن لحم ودم.
...................
ترجل ماجد من السيارة بأرجل متخبطة ...
نزل العسكر به درجا طويلا، وكانوا كلما انحدروا به درجة اشتدت رائحة العفونة ، وارتفع صوت طنين القيود .
نزع شرطي العصبة عن عينيه ... فك قيود يديه، ثم دفعه الى داخل غرفة مكتظة، قاسية في برودتها.
جلس ماجد في احدى الزوايا ، محاصرا بأجساد تنتمي الى مجموعات مختلفة من الاجرام.
تجول بنظراته بين الموقوفين ... أحس بعيونهم تترصده ... شعر برغبة بالبكاء ... عضّ على شفته بأسنان من قهر ... مسح حبات العرق المنسكبة على وجهه ... أسند ظهره الى الحائط، ثم أغمض عينيه بقوة محاولا إسكات صراخ غضبه.
عاد ماجد بيومه الى الوراء، فرأى نفسه واقفا في شارع رئيس، محاطا بأنهار متدفقة من البشر والسيارات، وكان هناك مجموعة من العسكر تخرجه من سيارته ... وتقيده وتعصب عينيه.
عند هذا المقطع من شريط يومه ... صحا ماجد على أصوات السجناء المحشوة بالرجاء، طلبا للحديث مع الأقرباء أو المحامين.
.....................................
ينعقد الضجيج في المكان .....
"اخرسوا " ..... يأتي صوت السجان زاعقا، ثم يدفع بمجموعة جديدة من الموقوفين داخل الغرفة المحشورة أصلا، فيضم ماجد ركبتيه الى صدره مفسحا مكانا لزملائه الجدد.
ازداد الزحام في الغرفة .... الخلق يتكاثف على يمين ماجد، أما على يساره فقد كان هناك طنجرة صدئة وضعت للامساك بالماء الهارب من مغسلة مهترئة.
أحس ماجد بالاختناق. نهض متجها نحو فسحة صغيرة قرب شباك الغرفة.
مرت ساعة ... ساعتان ... تعبت رجل ماجد اليمنى التي كانت تحمل كامل جسده ... تخدرت ... أراد أن يبدلها ... الا أن قدم الحظ زلت به، فسقط بجثته على زعيم السجن الذي ما لبث أن شمر عن ساعديه وانتشل ماجد كالخرقة ....
فتمتم ماجد : حسبي الله و نعم الوكيل ...
ارفع صوتك أيها البغل ... قال الزعيم
فتنهد ماجد، ورد بصوت قد نفد صبره: ألا تعرف سوى لغة الشتيمة والضرب ؟! دعني لهمي أرجوك، ثم انتقل الى الجهة المقابلة من الغرفة ...
استشاط الزعيم واتجه نحو ماجد ... طرحه أرضا وضربه بوحشية ...خرجت الأمور عن السيطرة ، وتحول المكان الى مهرجان من البشر ....
في هذه اللحظة صاح السجان صيحة لئيمة ، رن صداها في فضاء الغرفة :
_ تفرقوااااااا ......... ثم سأل : من الذي افتعل المشكلة ؟ فاتجهت أصابع الموقوفين نحو ماجد ...
...................................
ماجد وحيد في غرفة معتمة، يستطيع بالكاد أن يرى أصبعه ...
حاول اكتشاف المكان ..... تحسّس الجدران فوجدها ملساء مبللة، تنبعث منها رائحة الرطوبة، أما الأرض فقد كانت مشققة ، متصدعة ....
عبر فأر بجانب ماجد محدثا خشخشة، قفز المسكين مرعوبا وأخذ يدور حول نفسه ....
بعد دقائق ... فتح عسكري باب الغرفة على ماجد قائلا: تفضل سيدي، فدخل محقق ذو وجه متجهم ... اتجه نحو ماجد وصاح به مستنكرا : الى متى ستبقى تهرب الحشيش وتروج له، ألم تتب الى ربك ؟!
فرد ماجد بكلمات مرتعشة: ما عاذ الله يا سيدي ، من المستحيل أن أقوم بمثل هذا العمل ... أنا عضو في الجمعية الوطنية للوقاية من المخدرات .... فقاطعه المحقق متهكما : أنت بريء اذاً؟! على كل سأتأكد من ذلك، والويل لك اذا تبين أنك تكذب ...
المحقق : يا عسكري
العسكري : حاضر سيدي
المحقق : تأكد من كلام السيد خالد و .... ، فقاطعه ماجد مصححا : بل ماجد يا سيدي ، ماجد عبد الحق
العسكري : ها ....
المحقق : ألم تسمع ؟!
العسكري: على الفور يا سيدي
............................
استمر حبس ماجد أسبوعا ، عرف خلاله قهرا وذلا لم يعرفهما طيلة حياته ....
وفي مساء اليوم الثامن، قامت مجموعة من العسكر بفتح باب المنفردة على ماجد ، ثم ساقوه الى غرفة المحقق .
المحقق : أهلا بالسيد ماجد ، تفضل ...
بقي ماجد واقفا ، مذهولا
المحقق : تفضل بالجلوس ، لا تخف
ماجد : شكرا لك يا سيدي
المحقق : تهاني لك ، أنت بريء ولكن الحق عليك ... لم لم تشرح الموضوع لرجل الأمن ؟!
ماجد: لقد حاولت أن أقول له ان السيارة لجاري وانني اضطررت لاستعارتها بداعي السرعة، الا أنه لم يعطني مجالا كي أشرح له ....
المحقق: كل هذا لا يهم، المهم الآن أنك بريء وبامكانك العودة الى بيتك ...
ماجد: وحقي ؟! والأيام المهينة التي قضيتها هنا ؟ّ! أنا لن أسكت و س....
المحقق مقاطعا : اششششش، انصرف الآن واياك أن أسمع منك كلمة أخرى والا أعدتك الى السجن ...
ماجد : حاضر يا سيدي ، حسبي الله و نعم الوكيل ...
بعد ثماينة أيام من حبسه في غرف الذل و المهانة .... خرج ماجد من السجن كما دخل : بلا محاكمة ولا شهود .....


