خـُذ مِنـّي الصّح !
نيسان ـ نشر في 2015-11-27 الساعة 17:58
كثيراً ، في حاراتنا وشوارعنا و مدننا و قرانا ، ما نصادف و نلتقي ونرى ونسمع أشخاصا ً يعرفون في كلّ الأمور و يستطيعون الإجابة عن الأسئلة كلّها وبخاصة أسئلة الشأن اليوميّ والاجتماعي و شؤون الماء والمطر و " الحوادث والمشاجرات" ، و مثل هؤلاء تجدهم عند كل حديث و في كل حوار و في كل متجر و عند تجمّعات الفرح والترح و في البيوت والمدارس .
يطلقون أحكامهم وآراءهم في أمور عديدة ومن دون أن يُطلب منهم ذلك ، و يرفقون إجاباتهم أو تدخلاتهم بالقول : " خذ منّي الصح " !
يفترضون أنهم الصح و يفرضون موقفهم على الآخر !
لا شأن لهم في الحوار ، لكن مرورهم بجانب مخبز يتحدث فيه شخصان عن لون الخبز أو موعد المطر ، يدفعهم لإمالة الرأس إلى الجانب الموازي للمخبز والتوقف لوقف قصير جداً لا يزيد عن عشرين ثانية و يعطون رأياً في الموضوع .
وإن سأله أحدهم: وكيف عرفت أنك الصح؟
يطلق الإجابة التاريخية المجتمعية الدارجة والشائعة في الأنحاء ويقول : أنا هيك سمعت وهيك قالوا لي و هيك بعرف !
من الذي قال له؟
لا ندري
...
مرة ، من المرّات ، وعلى سبيل التندر، توفي أحدهم قبل سنوات في ديار الغربة، وجلبوا جثمانه ليتم دفنه في مدينته.
كان اثنان في المقبرة يتحدثان عن الفقيد وسلوكاته الطيبة.
وكان أحد موزّعي الصح يمرّ بقربهما، والتقط جزءا ً من الحديث، وتدخل في سرعة عجيبة هامساً بين آذان المتحدثين الاثنين: نرجو الله أن يغفر للفقيد ولكن قالوا لي أنه كان نمّاماً طويل اللسان .
...
واستكمالا ً للحكاية، الرجل الصح كان جارا ً لأحد أقرباء الفقيد، ولذلك جاء الرجل الصح ليحضر الجنازة.
الفقيد سافر إلى المهجر في أحشاء أمه قبل أن يولد، وهو أكبر من الرجل الصح عمرا ً ولم يكونا التقيا بالمرة.
الفقيد ولد أبكما ً / قالوا أنها حالة وراثية ربّما .. بمعنى أن الفقيد لم ينطق بكلمة واحدة في حياته فكيف يكون نمّاماً طويل اللّسان؟
والرجل الصح يقول : هيك أنا بعرف وهيك قالوا لي .. وخذوا مني الصح .
حتى في المقبرة
...
الرجل الصح والمرأة الصح والولد الصح والبنت الصح، حملوا ربمّا موروثا ً اجتماعيّا ً في كثير من الإسقاطات أو الاقترابات من زعم الوعي و تمرّنوا على أن لا أحد رفض مداخلاتهم فاستمرأوا الحالة وعاشوا قصصهم بالتدخل في شؤون الناس من خلال جملة قصيرة مختصرة و مكثفة ، و جملة أمر في الوقت ذاته .
...
خذ منـّي الصح
أنا هيك سمعت
أنا هيك بعرف
أنا هيك قالوا لي
...
هكذا تنتشر الظاهرة ، من باب الإبقاء على فكرة الحضور بين الناس و بخاصة في الجدل العقيم .
وذلك يشبه إلى حدّ ٍ كبير حامل الصافرة الذي يطلقها من دون إبداء الأسباب.
إلا ّ إذا كان الرجل الصح يعتقد أن للمرء لسانين ينطق بهما !
واحد في الفم و آخر ، لا ندري أين.


