اتصل بنا
 

في نقد مظلومية الخاسر.. قراءة في خطاب الانقسام الحزبي

كاتب أردني

نيسان ـ نشر في 2025-08-01 الساعة 12:06

في نقد مظلومية الخاسر.. قراءة في
نيسان ـ محمد قبيلات
نُشرت خلال الأسابيع الماضية سلسلة مقالات بعنوان "سقوط حزب" بقلم المهندس عامر البشير، عبّرت عن موقف واضح من تجربة حزبية أردنية مأزومة، ورغم ما حملته تلك المقالات من لغة مشحونة وموقف صريح، إلّا أن ما طُرح فيها يفتح بابًا مهمًا لمناقشة أوسع حول واقع العمل الحزبي في البلاد، لا بوصفه خلافًا عابرًا، بل كعرضٍ لأزمة أعمق في بنية التنظيم الحزبي والثقافة السياسية معًا.
ولا يخرج ما كُتب تحت عنوان "سقوط حزب" عن كونه شهادة سياسية تنتمي إلى لحظة مأزومة في الحياة الحزبية، تعكس أزمة أعمق من أن تُختزل في خلاف إجرائي أو صراع على موقع تنظيمي، لكن في المقابل، فإن المقالات الثلاثة المنشورة، وبكل ما تحمله من شحنات وجدانية ولغوية عالية، تحتاج أن تُقرأ ضمن السياق العام، لا باعتبارها تشكل سردية نهائية للحقيقة، بل واحدة من تجلياتها.
من حيث المبدأ، فإن ما يعرضه المهندس عامر البشير من طعون واعتراضات، وما يسرده من تفاصيل حول التعديلات التنظيمية وطريقة إدارة المؤتمر، يتطلب التوقف عنده بجدية، لا بسبب ما يحمله من تعبيرات درامية حادة، بل لما يطرحه من أسئلة مشروعة حول إدارة العمل الحزبي، وتحديدًا مسألة الشرعية: هل يمكن اعتبار الإجراءات الشكلية غطاءً كافيًا لتجاوز جوهر التشاركية داخل الحزب؟ وهل يُختزل مفهوم "الشرعية" في تصويت جرى ضمن ظروف مشكوك في عدالتها، كما يقول الكاتب؟
لكن، في المقابل، فإن الإشكال في هذا النوع من الطرح يكمن في استبدال التحليل الهادئ بلغة الإدانة، وفي تقديم الوقائع بصيغة حاسمة لا تتيح للقارئ مساحة للتمحيص أو التقييم المستقل، هناك إصرار على وضع الطرف الآخر في موقع الخيانة الكاملة، وطبعا؛ المقابل في موقع الطهارة الأخلاقية، وكأن الخلافات التنظيمية لا يمكن أن تكون تعبيرًا عن اجتهادات متباينة داخل أطر الشرعية، بل يجب أن تُفسَّر فقط كأفعال تآمرية.
وبهذا، فإن السردية تتحول من كونها دفاعًا عن التعددية والديمقراطية الداخلية إلى مرآة لانقسام حاد، لا يخلو من المبالغة، فحين يوصف تعديل النظام الأساسي، أو اتخاذ قرار داخلي، بأنه "طعنة بدم بارد"، أو "جريمة في حق الجماعة"، فإن ذلك لا يساهم في بناء رأي عام حزبي متوازن، بل يعزز مناخ الانقسام ويغلق أبواب الحوار، وهي مشكلة تكررت في الحياة الحزبية الأردنية؛ حيث يتحول الخلاف الداخلي إلى ساحة تخوين وتشهير، بدلًا من كونه فرصة لتجديد المشروع السياسي من داخل المؤسسة.
المفارقة أن البشير، رغم وعيه بمخاطر هذا المسار، لا يطرح بديلًا تنظيميًا جادًا، ولا يحدد ما إذا كان التيار الذي يمثله قد قدّم مشروعًا متكاملًا للإصلاح الداخلي أو خاض معركة داخل الأطر، أم أنه انسحب في لحظة شعور بالعجز أمام موازين قوى داخلية لم تسر لصالحه، وهذا سؤال مشروع؛ هل الهروب من الساحة هو الحل؟ أم أن الصراع السياسي داخل الحزب جزء من آليات بناءه، ومن الطبيعي أن تُحسم بعض المعارك بالأصوات لا بالمناشدات الأخلاقية؟
وفي كل الأحوال، فإن مقالات البشير الثلاثة تطرح إشكالًا لا يجوز تجاهله، فالعمل الحزبي الذي يُدار بمنطق احتكار القرار، واللجوء إلى تفسيرات انتقائية للنظام الداخلي، وتهميش الهيئات العامة، لا يمكن أن يصمد طويلًا أمام اختبارات الواقع، كما أن تجاهل المعارضة الداخلية والاستخفاف بها يقود في النهاية إلى نزيف سياسي طويل المدى، يُفرغ الحزب من طاقاته الحيوية.
لكن النقد، حتى وإن كان مشروعًا، يفقد قيمته حين يُغرق في تعميم الإدانة، ويُستعمل كأداة لحسم الخلاف لا لتفسيره، فكما أن اختطاف الحزب من قبل فئة أو تيار هو مأساة، فإن اختطاف النقد لتصفية الحسابات هو مأساة أخرى.
إن ما تحتاجه الأحزاب الأردنية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو آليات تضمن حرية التعبير الداخلي، والخارجي، وتحمي حق التيارات المتباينة في التنافس ضمن إطار موحّد لا يقصي أحدًا، ولا يحتكر الفكرة، ولا يمكن بناء ذلك إلّا بوعي تنظيمي عميق، يفرّق بين الخلاف الطبيعي والانشقاق، وبين الصراع المشروع والتخوين الممنهج.
وإذا كانت مقالات "سقوط حزب" تعبّر عن لحظة صدق ووجع حقيقي، فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن يُحوَّل هذا الوجع إلى أداة بناء لا وسيلة هدم، وإلا فإننا سنظل نعيد إنتاج مأساة الأحزاب في الأردن: نبدأ معًا، نختلف، ثم ننسحب، ونكتب بيانات الرثاء.

نيسان ـ نشر في 2025-08-01 الساعة 12:06

الكلمات الأكثر بحثاً