أنا أكذب.. إذن أنا متأقلم مع واقعي
نيسان ـ نشر في 2015-12-21 الساعة 21:37
الدكتورة الهام العلان
ظاهرة غريبة عجيبة وجزء أساسي لا يمكن تفاديه من الطبيعة الإنسانية، نهت عنه الأديان السماوية، إلا أنه ضرورة للتكيف مع أي وضع جديد يطرأ على العلاقات الاجتماعية، ومع ذلك يقول سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام :"يُطْبَع المؤمن على الخلال كُلها إلا الخيانة والكذب"، وأباح الإسلام الكذب في حالات خاصة هي: الكذب للإصلاح بين المتخاصمين، الكذب على الأعداء في الحروب، والكذب لإرضاء الزوجة.
فإذا ما اعتبرنا أكاذيبنا اليومية لإرضاء من حولنا والحد من الزعل والشقاق وقطع الأرحام كذب مباح، والكذب على الأعداء المتمثل بالدبلوماسية والقوة الناعمة ومبادئ ميكافيلي والتي تصب في هدف نبيل هوحماية الأوطان، والكذب على الزوجة من منطلق الله يِعْمِر بيوتكم، إذن، حياتنا كذبة مقبولة في العموم وبدونها من الصعب التعايش مع المستجدات اليومية بشرط أن لا تُسئ وتؤذي الآخرين..
هذا، وكان للتطور التكنولوجي دور في تنمية ظاهرة الكذب، حيث تُشير دراسة لقسم العلوم الإنسانية التابع لجامعة أونيسيب البرازيلية في مدينة سان باولو، إلى ان 80% من النساء لم يعدن يصدقن الرجال في الاتصالات التي يجرونها على الهواتف الخلوية، وأن الرجل يكذب على زوجته من خلال الهاتف الخلوي بمعدل ست مرات في اليوم وتتمحور الأكاذيب حول النشاط والمكان والأصدقاء..
وفي المقابل، تُشير دراسة أخرى إلى أن النساء هن الأقدر والأكثر تطبيقاً للكذب، سواء كان كذباً مقصوداً، أو كذب أبيض، والكذب المرضي، والكذب المرضي المبالغ فيه وهو الأوسع انتشاراً بين النساء، وجميع هذه الأنواع تحتاج لقدرات ذهنية عالية متمثلة بالذاكرة القوية، والخيال الواسع، والقدرات النفسية العالية المتمثلة بالتحكم بالمشاعر وتعابير الوجه والتصرفات للخوض في الوضع المُختلق للكذبة، وبالتالي فالكاذب هو شخصية قوية تعرف تماماً ماذا تفعل ومن هنا تأتي الإشكالية..ولتبسيط الموضوع أكثر، كيف لك أن تتملص من الأسئلة المنهمرة مثل المطر من زوجة متفرغة لك حين دخولك المنزل! وكيف لكِ أن تتهربي من جارة متعِبة تتدخل في حيثيات طبختك وملبسك وطلعتك! والأدهى كيف يمكن أن تتقبل صديق مجرد أن ترد على اتصاله يسألك: "أنت وين؟".. بالطبع إما أن ترد عليه "وأنت مال أهلك" أو تدور وتلف حتى لا يعرف مكانك، وفي المجمل كذب في كذب في أكاذيب..
المجتمع المتطور والثقافة العالية للأشخاص تحترم خصوصية الأفراد، والأشخاص المنشغلين بأعمالهم وتفاصيل حياتهم هم في النهاية "مش فاضيين"، أما الآخرين "إلي لا شغلة ولا مشغلة" من الصعب التعامل معهم! لهذا نكذب ونختلق التفاصيللنريح أنفسنا، وللحذر من الدخول في حرمة الكذب، إما قول الحقيقة دون مراعاة لأحد أو الكذب دون قلب الحقيقة، فالأمور الجوهرية والأساسية لا مجال للعبث والكذب فيها "وإلي عاجبه عاجبه وإلي مش عاجبه في مية حيطة يخبط رآسه فيها".. أما بتسلم عليكي أمي وبتقولك بدها رآس بصل وسِنين ثومة وغلوة قهوة حينها القول: "معناش" .."مشترناش".."ما فيش".. والعلم عند الله حلال.
مع الدكتورة الهام العلان ..
elhamallan09@gmail.com


