اتصل بنا
 

التوترات السورية.. هل تدفع البلاد إلى انفراجة أم إلى الانفجار؟

نيسان ـ نشر في 2025-08-11 الساعة 08:06

التوترات السورية.. هل تدفع البلاد إلى
نيسان ـ خاص- بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تجد سوريا نفسها أمام مفترق طرق حرج، حيث تتجاذبها آمال الاستقرار ومخاطر الانزلاق إلى فوضى جديدة. أقدّم هذا التقرير الذي أسعى لأن يكون استقصائيًا قدر الإمكان، مستندًا إلى رحلة ميدانية امتدت من حمص إلى دمشق والسويداء، وصولًا إلى الحدود الجنوبية مع الأردن، في محاولة لرسم صورة معمقة للوضع الراهن في بلد يقف على شفير اقتتال داخلي وحروب أهلية، من خلال حصيلة مشاهدات ومقابلات ومتابعات خاصة.
من خلال هذه الجولة، وبالاستناد إلى شهادات محلية ومراجعة أحداث السويداء الأخيرة وتحليل الديناميكيات الإقليمية، نحاول استكشاف تعقيدات التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، وهي تحديات تجعل مستقبل البلاد معلقًا بين احتمال انفراجة مرتقبة أو انفجار وشيك.
بدأت الرحلة من فندق "حمص الكبير"، أحد أبرز معالم المدينة التي ما زالت تحمل ندوب الحرب العميقة. يقع الفندق قبالة بوابة جامعة حمص – أو "جامعة البعث" سابقًا – وعلى مقربة من "دوار حمص" الذي تغيّر اسمه مرات عدة: من "دوار الرئيس" إلى "دوار الجحش" ثم "دوار الساروت"، وأخيرًا "دوار حمص". هذه التحولات ليست مجرد تغييرات في الأسماء، بل تعكس تقلبات الهوية والانتماءات خلال سنوات الثورة، وما صاحبها من انقسامات اجتماعية وطائفية حادة. فالشوارع المتفرعة من شارع الشام، المؤدية إلى الأحياء السنية، كانت سابقًا مغلقة بالحواجز الإسمنتية، بينما بقيت مفتوحة نحو حي الحضارة ذي الغالبية العلوية والمسيحية. أما اليوم فقد انقلب المشهد، إذ باتت الأحياء العلوية تواجه القيود نفسها التي كانت مفروضة على الأحياء السنية، ما يعزز الانقسامات الصامتة ويؤجج التوتر بين المكونات المحلية.
الطريق الممتد من حمص إلى دمشق، بطول 165 كيلومترًا، يروي قصة صراع متواصل منذ أكثر من عقد. على جانبيه، معسكرات مهجورة تتناثر عند مداخلها آليات مدمرة، ومبانٍ سُلبت محتوياتها حتى أبوابها ونوافذها. تمر عبر قرى مشوهة الملامح، تشكل مشهدًا كئيبًا يعكس عزلة اجتماعية مزمنة. سائق الحافلة القديمة التي أقلّت نحو ثلاثين راكبًا بدا وكأنه في سباق مع الزمن، يصاحب رحلته ضجيج الزوامير وأغانٍ محلية عالية الإيقاع. كان يحيّي معارفه بزوامير طويلة، وينبّه أو يزجر آخرين بزوامير مختلفة، وكأنه يحاول تجاوز شعور الانتظار الممزوج باللايقين. اقتربت منه طفلتان، لا تتجاوز أعمارهن العاشرة، وطلبتا أغنية محددة، فاستجاب بسرعة، لتنطلق أغنية "جنة جنة جنة، سوريا يا وطنا، حتى نارك جنة" عبر مكبر الصوت.
في دمشق، استعادت الشوارع شيئًا من الحياة، لكن ملامح الشحوب لا تفارق الوجوه والمباني والأسواق، في انعكاس واضح لإرهاق الحرب. فندق "الشام"، الذي كان في الماضي ملتقى المثقفين والمبدعين، أصبح مركزًا لطبقة جديدة من الوسطاء التجاريين، تمثل جيلًا يسعى للتكيف مع واقع ما بعد الحرب، حيث تطغى الأولويات الاقتصادية على الطموحات الثقافية والفكرية، في ظل تضييق خانق على الحريات.
وفي يوليو/تموز 2025، شهدت السويداء – ذات الغالبية الدرزية – تصعيدًا خطيرًا بدأ بحادثة جنائية بسيطة نسبيًا: اختطاف سائق شاحنة خضار على طريق دمشق-السويداء. لكن الحادثة فجّرت سلسلة اختطافات متبادلة بين بدو مسلحين ودروز، سرعان ما تحولت إلى اشتباكات دامية ونزوح جماعي. ووفقًا لتقارير "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، أسفرت المواجهات عن مقتل 37 شخصًا – بينهم أطفال – وإصابة نحو 50 آخرين، فيما ترجح تقديرات محلية أن الأعداد الحقيقية للضحايا تصل إلى مئات وربما أكثر.
حي "المقوس"، ذو الأغلبية البدوية، تعرض لهجمات مضادة من مسلحين دروز يتبعون حكمت الهجري، ما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية وتفاقم الأزمة الإنسانية. وحسب شهادة شاب من قرية مجاورة التقيته في استراحة على الطريق، حاولت قوات الأمن الداخلي التدخل عبر إغلاق الطرق عند حاجز "المسمية" ومواقع أخرى، لكنها فشلت في احتواء الموقف.
في منتصف يوليو، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكنه انهار سريعًا وسط تبادل الاتهامات بين الفصائل الدرزية والحكومة. حكمت الهجري – أحد أبرز القادة الدروز – رفض الاتفاق ودعا إلى المقاومة المسلحة، متهمًا الحكومة بالتواطؤ مع البدو. ووفق تقارير إعلامية، يُشتبه في حصوله على دعم إسرائيلي. استمرت الاشتباكات في مناطق مثل تلة "حديد" وثعلة، مستهدفة المدنيين ومفاقمة معاناتهم.
وزير الداخلية أنس الخطاب أرجع الأزمة إلى غياب مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، معتبرًا أن الفراغ سمح بانتشار الفوضى. واتهم المتحدث باسم الوزارة "التيار الانعزالي" في السويداء بترويج رواية مؤامرة تهدف لعزل المحافظة عن السلطة المركزية، مشيرًا بأصابع الاتهام إلى إسرائيل، التي نفذت غارات جوية على مواقع حكومية في السويداء ودمشق، بحجة حماية الدروز. وقد استغلت بعض الجماعات هذه الظروف لإعلان إدارة محلية للمحافظة وتعيين مسؤول مستقل عن دمشق.
على الصعيد الدبلوماسي، تكثفت الاتصالات بين دمشق ودول مثل تركيا والسعودية لدعم الاستقرار، فيما توسطت الولايات المتحدة في محادثات بين سوريا وإسرائيل لخفض التوترات، ومع ذلك، فإن فشل اتفاقات وقف إطلاق النار واستمرار الاشتباكات يبرزان هشاشة الوضع الأمني. وتتباين أهداف إسرائيل والولايات المتحدة، إذ تسعى تل أبيب لإنشاء ممر يصل بين الدروز والأكراد، يُنظر إليه كحزام ضغط على الحكومة الانتقالية ووسيلة لقطع خطوط إمداد إيران إلى حزب الله، بينما تتبنى واشنطن نهجًا أكثر حذرًا، محذرة الأكراد من أي علاقة لا تمر عبر دمشق.
في الشرق، ما زالت العلاقة بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) متوترة. فبعد توقيع اتفاق في مارس/آذار 2025 لدمج قسد في المؤسسات الحكومية، انهار الاتفاق بسبب الخلاف حول مستوى اللامركزية. وتسيطر قسد على مصادر النفط والقمح في شمال شرق البلاد، مما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، لكن استمرار تهريب النفط إلى دول الجوار – مثل تركيا والعراق – يعقد علاقتها مع دمشق. تصريحات مسؤولي قسد بأن الموارد "ملك للجميع" تتناقض مع الواقع، حيث يتم احتكارها فعليًا.
كما تتردد أصداء خافتة لمؤتمر المعارضة للحكم الانتقالي ، الذي عقد مؤخرًا في الحسكة، وأحد الأصدقاء علّق ساخرًا مستخدمًا مفردات الأسد بشار: "مجرد مؤتمر احتفالي لشرب المرطبات في هذا الحر".
أما في الساحل الشمالي، فيسود صمت مشوب بالتوتر، مع استمرار السلطات في اعتقال شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وكشف مصدر في حمص عن نمط مقلق؛ يتم استدعاء بعض الأمنيين والقضاة السابقين للتحقيق، ثم الإفراج عنهم بعد عقد "تسويات"، ليصبحوا لاحقًا أهدافًا لعمليات اغتيال بدوافع ثأرية، تنفذها عناصر "مدنية"، هذه العمليات، التي تُنفذ على نطاق واسع، تحصد عشرات الأرواح يوميًا، وتؤشر إلى غياب قواعد واضحة للاشتباك، مما يهدد بإفشال أي مسار نحو الاستقرار.
أكبر موجة فوضى أمنية منذ سقوط النظام قد تكون تلك التي شهدها الساحل الشمالي، حيث هاجمت مجموعات موالية للشرع، وأخرى سلفية مسلحة – منها "أنصار السنة" – مناطق ذات غالبية علوية، ردًا على جرائم منسوبة لعناصر النظام السابق، ورغم المبالغات في أعداد المشاركين والضحايا، فإن المؤكد أن هذه الحوادث لن تتوقف في المدى القريب، بحسب صحافي لبناني مخضرم.
وعند مغادرة الحدود الجنوبية نحو الأردن، تلمح بعض التفاؤل في تعامل الكوادر الحدودية، لكنه لا يخرج من ظلال شعور عدم اليقين الذي يلف البلاد، شرطة الحكومة الانتقالية، بوجوههم الملتحية وابتساماتهم الكثيرة، يعكسون صورة الرئيس أحمد الشرع، لكن بلا استراتيجية واضحة لتلبية المطالب المتزايدة.
كما أثار قرار الشرع بتعيين ثلث أعضاء البرلمان مباشرة، وترك اختيار الثلثين للجانه الخاصة، تساؤلات حول التزامه بالإصلاح الديمقراطي، ما يزيد الشكوك بشأن قدرته على قيادة البلاد نحو استقرار حقيقي.
اليوم، تقف سوريا على مفترق طرق؛ التوترات الطائفية في السويداء، وغياب مؤسسات الدولة، وتعدد التدخلات الإقليمية، واستمرار تهريب الموارد، كلها عوامل تهدد بإعادة البلاد إلى دوامة العنف، ولتجنب ذلك، تحتاج سوريا إلى بناء عقد اجتماعي شامل يطمئن كل المكونات، وإعادة بناء أجهزة أمنية محايدة تفرض القانون بعدالة، وإطلاق حوار وطني يضم الدروز والأكراد وأهالي الساحل وغيرهم، ووضع آليات صارمة لمراقبة تهريب النفط والقمح، مع تفعيل الدبلوماسية لكبح التدخلات الخارجية، ودون هذه الخطوات، قد تتحول الأزمات المتفرقة إلى شرارة لصراع أوسع يعيد سوريا إلى نقطة الصفر.

نيسان ـ نشر في 2025-08-11 الساعة 08:06

الكلمات الأكثر بحثاً