وجباتُ طعام حديثة وفق وصفات من القرن السادس عشر
نيسان ـ نشر في 2015-12-24 الساعة 11:59
هل تًرغب بتناول غُرَيْرمَشوي؟ من المُرجَّح أنك لن تَجد هذه الوجبة على قوائم طعام كبير الطُهاة السويسري أنطون موسيمانّ، ولكنك قد تعثَر عليها في مجموعته الفريدة من كُتُب الطهي التاريخية وقوائم الطعام التي تُعرض للمرة الأولى في مدينة بازل حالياً.
ضَمَّت قائمة ضيوف كبير الطُهاة السويسري أنطون موسيمانّ رجال السياسة والرؤساء والمشاهير من جميع أنحاء العالم، من ضمنهم خمسة رؤساء وزارة بريطانيين بدءاً بمارغريت تاتشر وحتى ديفيد كاميرون. كما قام هذا الطاهي المعروف بتحضير أصناف الطعام لأربعة أجيال من العائلة البريطانية المالكة ، بما في ذلك وليمة عُرس الأمير وليام وكيت ميدلتون في عام 2011.
مع ذلك، يجهل الكثيرون أنَّ هذا الرجل الأنيق المُميز بربطة عنقه، والذي يبلغ الثامنة والستين من العمر، يتوفر على مكتبة فريدة من نوعها لكتب الطهي وقوائم الطعام، والتي يُعتقَد أنها أكبر مجموعة خاصة من نوعها. ومن خلال نحو 6000 منشور، يمكن تعلم الكثير عن تاريخ الطهي خلال القرون الخمسة الماضية.
واليوم، يُمكن الإطلاع على مجموعة مُختارة مكونة من 120 كتاب وقائمة طعام من هذه المكتبة، في المعرض الخاص بأعياد الميلاد الذي ينظمه متحف عالم الألعاب في بازل، والذي يستمر حتى 21 فبراير 2016.
ضربة حظ
خلال افتتاح المعرض، بدا فَخْر موسيمانّ - المتألّق والذي كان يُجيب على أسئلة الصحفيين بكياسة ودراية جيدة ولغات مُتعددة - واضحاً بِعَرض مجموعته. وكما أشار في حديثه، فقد بدأ كل شيء "بضربة حظ".
"عُرِضت علي أول بِضع مئات من الكتب عندما كنت في مطلع شبابي ولم أكن أتوفر على أي مال. وعندما ذهبت إلى البنك - صدقوا أو لا تصدقوا - مُنِحتُ قرضاً لشراء كتب للطبخ"، كما أخبر موسيمانّ swissinfo.ch.
"كانت هذه بداية جيّدة جداً لمجموعتي الكبيرة"، بحسب الشيف المشهور، الذي عبَّر وهو يضحك عن شكِّه في قيام أي بنك بإجراء كهذا في يومنا الحالي.
"لديّ الآن أكثر من 6000 كتاب، منها حوالي 500 كتاب قديم جدا، تعود إلى عام 1600"، كما أضاف.
ولا شك في أن هذا المعرض - الذي إستغرق إعداده سنتين - يُعَد ضربة موفقة للمتحف الصغير في بازل. ومن المتوقع إنتقال هذه المجموعة المعروضة في العام المُقبل إلى متحف خاص موزع على ثلاثة طوابق في أكاديمية فنون الطهي بسويسرا الواقعة في مدينة لو بوفريه Le Bouveret (كانتون فالي)، على ضفاف الطرف الجنوبي لبحيرة ليمان، والتي من المقرر إفتتاحها في شهر يونيو 2016.
ومن ضمن مجموعة موسيمانّ يمكن مشاهدة طبعتين (تعودان إلى الأعوام 1516 و1530) لأول نصٍ مطبوعٍ لتذوق الطعام، كَتَبَه الداعية الإنساني بارتولومبي بلاتينا Bartolomeo Platina (1421 - 1481) في مدينة البندقية، والذي عُّين على إثره أمينا لمكتبة الفاتيكان. ويُفتَتَح الكتاب بِوَصفة للدجاج المشوي المَحشو بالخبز والجوز.
وكان بلاتينا قد إقتبس نحو نصف هذه الوصفات من السِجِلّات المخطوطة باليد لأول خبير طهي مشهور هو مارتينو دي كومو Martino di Como، المولود في عام 1430 في بلدة توري Torre، الواقعة في ما يعرف الآن بكانتون تيتشينو بسويسرا. وهكذا، ومن وجهة نظر اليوم على الأقل، يمكن إعتباره هو الآخر طاهٍ سويسري معروف.
فضلاً عن ذلك، تتضمن مجموعة موسيمانّ أيضاً أول كتاب طهي مطبوع باللغة الألمانية، وكتابا من إنتاج المُنجّم الشهير المُثير للجدل نوستراداموس الذي عاش في عصر النهضة، والمتضمن لإرشادات حول..صناعة المربى.
أما أحد مُجلدات موسيمانّ المفضلة، فهوكتاب طهي من تأليف بارتولوميو سكابّي Bartolomeo Scappi، الذي كان كبير طهاة البابا في أواخر القرن السادس عشر. والجميل في هذا الكتاب على وجه الخصوص هي رسومات المطبخ، وما يحتويه من مشاوي وأواني ومقالي، كما يقول.
أطباق قديمة لأزمنة حديثة
وبالإعتماد على الوصفات التي تتضمنها هذه الكتب القديمة، قام كبير الطهاة المعروف بتحضير بعض الأطباق بنفسه للزبائن المُرتادين على النادي الذي يحمل إسمه في لندن.
"قمنا بطهي خنزير صغير كامل [يكون ما يزال في طور الرضاعة في العادة] كطبق رئيسي في إحدى الحفلات مثلاً. كما أعددنا ساق لحم الضأن ولكن وفق الطريقة القديمة، أي بتخليلها عدة ساعات ثم شيّها ببطء. إنها وصفات رائعة، كما كانت النتائج جيدة جدا أيضا".
أما وصفة الغرير المشوي فقد اقتبست من كتاب طبخ يعود للعام 1887 بعنوان: "للطهي اليومي والمطبخ الرفيع".
وتكشف نظرة إلى الوصفات التي تَضُمُّها هذه المجموعة عن التَغيير الكبير الذي شهدته العادات الغذائية. فعلى سبيل المثال، كان هناك استخدام وفير للصلصات الغنية، التي تفوق في دسامتها تلك التي يحضرها موسيمانّ في مطبخه اليوم، والذي يعتمد "المطبخ الطبيعي" كأسلوب في الطهي، حيث لا يستخدم الكريم أوالزبدة أو الزيت. وكما يقول: "يجب أن يدُل مذاق الغذاء على المادة الغذائية نفسها، لذا دَعوا طعم السمك يدل على السمك والدجاج على الدجاج، ولا تثقلوا بإضافة المواد إليها، ولا تمزجوها بالعديد من المكونات الأخرى".
ومن الواضِح أن الشيف الشهير يُطَبِّق ما يدعو إليه. إذ يتمتع موسيمانّ بمظهر رشيق، وهذا يعود كما يقول إلى أنه يحب الحفاظ على لياقته.
علاقات ملكية
وبدون شك، يمكن لموسيمانّ ان يَعُدَّ العائلة البريطانية المالكة ضمن فئة الأشخاص الذين يُقدِّرون هذا الأسلوب في الطهي. وتشكل قوائم الطعام الخاصة بمختلف الأحداث الملكية، بما في ذلك التاريخية منها، جزءاً من المجموعة المعروضة في بازل.
على سبيل المثال، يمكن مشاهدة قائمة عشاء خاصة بالملكة فيكتوريا (1837-1901) ليوم السبت 17 أكتوبر 1891 في قصر بالمورال. وتتضمن هذه الوجبة نوعين من الحساء، وأربعة أصناف من السمك، وطبقا ثانيا (مثل اللحوم المشوية) والدرّاج المشوي.
كما لم تخْلُ القائمة من المقبلات أيضا. وهذه الأطباق لا علاقة لها بما هو مذكور أعلاه، ويمكن أن تتراوح من الحلويات (الفطائر الهولندية) إلى الخضار (الهندباء مع الكريم).
وتختلف قائمة الطعام هذه إلى حدٍ ما عن تلك المكونة من ثلاثة أطباق التي أعدّها موسيمانَ بعد 120 عاماً في حفل زفاف الأمير وليام وكيت ميدلتون، والتي تألفت من مُقبلات مُكونة من لحم سرطان البحر من ويلز، تلاها طبق لحم الضأن الأسكتلندي ثم ثلاثة أنواع صغيرة من الكاسترد.
عيد ميلاد وفق موسيمانّ
في الأثناء، تأتي مواضيع عيد الميلاد في المعرض في شكل بطاقات معاصرة للتهنئة بعيد الميلاد من نادي موسيمان في لندن، أو قوائم طعام خاصة بعيد الميلاد هناك. ولكن ماذا يطهو موسيمانّ لنفسه بهذه المناسبة؟ وهل من لَمسة سويسرية خاصة تميّز هذه الوجبة؟
"هذا سؤال جيد جدا"، يجيب ضاحكاً. وكما يوضح كبير الطهاة، تجتمع الأسرة وبالذات أبناؤه فيليب ومارك اللذان يشتركان في إدارة نادي موسيمانّ لطهي إما وجبة تقليدية سويسرية، أو إعداد شيء آخر أكثر ابتكاراً.
"لدينا الآن خمسة أحفاد، لذا فإن وجبة ‘الفوندو شينواز’ [المكونة على سبيل المثال من شرائح رقيقة من اللحم والخضروات الورقية والفطر والوونتون والأسماك والمأكولات البحرية، والتي تُطبخ في وعاء من الحساء الساخن وسط المائدة وتضاف إليها الصلصة في العادة] رائجة جداً اليوم، لأن الأطفال يُحبّون التشمير عن ساعديهم وطهي طعامهم الخاص".
ولا تخلو الوجبة أيضاً من إشارة إلى وطنه الثاني إنجلترا، حيث يتكون طبق الحلوى من مهلبية عيد ميلاد الخفيفة الخالية من أي نوع من الدهن، والتي تُقَدَّم مع صَلصة الزبادي بدلا من زبدة البراندي. وكما يقول موسيمانّ معلِّقاً: "جميع أفراد الأسرة يحبّون هذه الحلوى".


