بعد فنزويلا.. اربطوا الأحزمة
د. محمد أبو رمان
باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومتخصص في شؤون الفكر الإسلامي
نيسان ـ نشر في 2026-01-07 الساعة 09:55
نيسان ـ يرى جون ميرشايمر، أحد أهم أساتذة ومنظّري العلاقات الدولية ومؤسسي ما يسمى المدرسة «الواقعية البنوية» (في تسجيل مصوّر له قبل يومين) أنّ عملية «فنزويلا» (اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته) هي ليست النهاية، بل البداية لتحولات كبيرة تجري في النظام الدولي، وإن كانت عكست نجاحاً تكتيكياً وعسكرياً كبيراً للولايات المتحدة الأميركية فإنّها – على الجهة المقابلة- شكّلت فشلاً استراتيجياً كبيراً، من زاوية عدم القدرة على بناء توقعات دقيقة لانعكاسات هذه العملية على صورة الولايات المتحدة ودورها في العالم وتحريك وتجميع القوى المعادية لها إقليمياً ودولياً معاً كرد فعل على السلوك الأميركي المطروح.
إحدى أهم النقاط التي أثارها ميرشايمر تتمثّل في توقعاته بأنّ تكون عملية فنزويلا بمثابة ديناميكية رئيسية وأساسية للانتقال من النظام الدولي أحادي القطبية، الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة (منذ 35 عاماً) وهيمنت فيه أميركا وحلفاؤها الغربيون على السياسات الدولية، إلى نظام تعددي القطبية، وهو نظام بدأ بالفعل بصورة أو بأخرى خلال السنوات الأخيرة، والقطبان الرئيسان الآخران هما الصين، التي من الواضح أنّها تمتلك اليوم قدرات اقتصادية وعسكرية وسيبرانية كبيرة، وروسيا.
على الجهة المقابلة؛ نجد أن القارة الأوروبية تعاني اليوم بصورة كبيرة من مشكلات عديدة، من بينها علاقتها المرتبكة المعقّدة بالولايات المتحدة الأميركية، الشريك الاستراتيجي، إذ بدا واضحاً من خلال استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، أنّه يقلل من شأن أوروبا وقوتها الاستراتيجية ويستهين كثيراً بعلاقات التحالف بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.
من زاوية أخرى من الواضح أنّ هنالك ابتهاجاً إسرائيلياً كبيراً بالعملية، ونرى في التحليلات السياسية في تل أبيب محاولة حثيثة للربط بين هذه العملية من جهة والصراع مع إيران من جهةٍ أخرى، سواء من خلال ربط النظام الفنزويلي بمعاداة السامية والادعاء بوجود أنشطة كبيرة لمؤيدي حزب الله وإيران وخلاياهم في كراكاس، أو من خلال اعتبار ما حدث هناك بمثابة رسالة موجهة للنظام الإيراني بأنّ هنالك سياسات جديدة مع بداية العام الحالي، والتهديد لن يكون فقط بالخطاب، بل سيكون فعلياً على أرض الواقع، وربما يتوافق ذلك مع تصريحات ترامب وتسريبات عن قراره بعدم قبول مقترح من مبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لتجديد الحوار مع إيران، بل على النقيض من ذلك بإصراره – أي ترامب- على إيقاف أي حوار مع إيران، وهو الرأي الذي كان يؤيده ويطرحه وزير خارجيته ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث اللذان يدفعان نحو التشدد أكثر عسكرياً واقتصادياً تجاه النظام الإيراني.
هذا وذاك يعيدنا مرّة أخرى إلى استراتيجية الأمن القومي الأميركي (لإدارة ترامب) التي كانت بمثابة تمهيد وتأطير لما حدث في فنزويلا، وللسياسات الأميركية المتوقعة تجاه الجارتين؛ أميركا اللاتينية وكندا، إذ بدأت الاستراتيجية بالتأكيد على مبدأ مورنو (أي ضمان الهيمنة والسيطرة الأميركية على قارة أميركا الجنوبية- الحديقة الخلفية)، باعتبارها الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة والأمن القومي الأميركي، وهو الأمر الذي يمكن أن نستنطقه من تهديدات ترامب اللاحقة لكل من كولومبيا وكوبا.
الأكثر أهمية هو التحول في المنظور الاستراتيجي الذي يهيمن على إدارة الرئيس ترامب، داخلياً وخارجياً، على السواء، والمقصود هنا سؤال الهوية، الجماعة الانجلوساكسونية البروتستانتية- التي تمثّل بالنسبة لإدارة ترامب القاعدة الاجتماعية الانتخابية (يمكن هنا العودة إلى كتاب منظّر صدام الحضارات صموئيل هانتنجتون بعنوان «من نحن»- الذي يتكامل مع تصور إدارة ترامب). وإذا كان هذا الخط الجديد القائد في الحزب الجمهوري، الذي يمثّله ترامب ظاهرياً، إلاّ أنّه في العمق يعكس العديد من الديناميكيات الجديدة، التي بدأت مع هيمنة المحافظين الجدد على البيت الأبيض، خلال جورج بوش الابن، وتأخذ مستوى أعلى من الارتباط الديني والثقافي والاجتماعي بهذه الهوية، وبدور أكبر للجماعات المسيحية الصهيونية واليمين الأميركي في بناء السياسات والتصورات الاستراتيجية الأميركية.
ضمن هذه المعادلات، أيها السادة، نحن قادمون على مرحلة أكثر صعوبة وتوتراً، عالمياً وإقليمياً، هي كما يصفها – بالفعل- ميرشايمر مرحلة انتقالية على صعيد النظام الدولي، تتخلى فيها أميركا عن دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وتتحول فيها المؤسسات الدولية لساحة صراع بين القوى العظمى، وتنتشر فيها حالة من الارتباك والحراك والتوترات الإقليمية، بخاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط هي أصلاً بؤرة من بؤر الصراع الدائم في العالم!
إحدى أهم النقاط التي أثارها ميرشايمر تتمثّل في توقعاته بأنّ تكون عملية فنزويلا بمثابة ديناميكية رئيسية وأساسية للانتقال من النظام الدولي أحادي القطبية، الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة (منذ 35 عاماً) وهيمنت فيه أميركا وحلفاؤها الغربيون على السياسات الدولية، إلى نظام تعددي القطبية، وهو نظام بدأ بالفعل بصورة أو بأخرى خلال السنوات الأخيرة، والقطبان الرئيسان الآخران هما الصين، التي من الواضح أنّها تمتلك اليوم قدرات اقتصادية وعسكرية وسيبرانية كبيرة، وروسيا.
على الجهة المقابلة؛ نجد أن القارة الأوروبية تعاني اليوم بصورة كبيرة من مشكلات عديدة، من بينها علاقتها المرتبكة المعقّدة بالولايات المتحدة الأميركية، الشريك الاستراتيجي، إذ بدا واضحاً من خلال استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، أنّه يقلل من شأن أوروبا وقوتها الاستراتيجية ويستهين كثيراً بعلاقات التحالف بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.
من زاوية أخرى من الواضح أنّ هنالك ابتهاجاً إسرائيلياً كبيراً بالعملية، ونرى في التحليلات السياسية في تل أبيب محاولة حثيثة للربط بين هذه العملية من جهة والصراع مع إيران من جهةٍ أخرى، سواء من خلال ربط النظام الفنزويلي بمعاداة السامية والادعاء بوجود أنشطة كبيرة لمؤيدي حزب الله وإيران وخلاياهم في كراكاس، أو من خلال اعتبار ما حدث هناك بمثابة رسالة موجهة للنظام الإيراني بأنّ هنالك سياسات جديدة مع بداية العام الحالي، والتهديد لن يكون فقط بالخطاب، بل سيكون فعلياً على أرض الواقع، وربما يتوافق ذلك مع تصريحات ترامب وتسريبات عن قراره بعدم قبول مقترح من مبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لتجديد الحوار مع إيران، بل على النقيض من ذلك بإصراره – أي ترامب- على إيقاف أي حوار مع إيران، وهو الرأي الذي كان يؤيده ويطرحه وزير خارجيته ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث اللذان يدفعان نحو التشدد أكثر عسكرياً واقتصادياً تجاه النظام الإيراني.
هذا وذاك يعيدنا مرّة أخرى إلى استراتيجية الأمن القومي الأميركي (لإدارة ترامب) التي كانت بمثابة تمهيد وتأطير لما حدث في فنزويلا، وللسياسات الأميركية المتوقعة تجاه الجارتين؛ أميركا اللاتينية وكندا، إذ بدأت الاستراتيجية بالتأكيد على مبدأ مورنو (أي ضمان الهيمنة والسيطرة الأميركية على قارة أميركا الجنوبية- الحديقة الخلفية)، باعتبارها الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة والأمن القومي الأميركي، وهو الأمر الذي يمكن أن نستنطقه من تهديدات ترامب اللاحقة لكل من كولومبيا وكوبا.
الأكثر أهمية هو التحول في المنظور الاستراتيجي الذي يهيمن على إدارة الرئيس ترامب، داخلياً وخارجياً، على السواء، والمقصود هنا سؤال الهوية، الجماعة الانجلوساكسونية البروتستانتية- التي تمثّل بالنسبة لإدارة ترامب القاعدة الاجتماعية الانتخابية (يمكن هنا العودة إلى كتاب منظّر صدام الحضارات صموئيل هانتنجتون بعنوان «من نحن»- الذي يتكامل مع تصور إدارة ترامب). وإذا كان هذا الخط الجديد القائد في الحزب الجمهوري، الذي يمثّله ترامب ظاهرياً، إلاّ أنّه في العمق يعكس العديد من الديناميكيات الجديدة، التي بدأت مع هيمنة المحافظين الجدد على البيت الأبيض، خلال جورج بوش الابن، وتأخذ مستوى أعلى من الارتباط الديني والثقافي والاجتماعي بهذه الهوية، وبدور أكبر للجماعات المسيحية الصهيونية واليمين الأميركي في بناء السياسات والتصورات الاستراتيجية الأميركية.
ضمن هذه المعادلات، أيها السادة، نحن قادمون على مرحلة أكثر صعوبة وتوتراً، عالمياً وإقليمياً، هي كما يصفها – بالفعل- ميرشايمر مرحلة انتقالية على صعيد النظام الدولي، تتخلى فيها أميركا عن دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وتتحول فيها المؤسسات الدولية لساحة صراع بين القوى العظمى، وتنتشر فيها حالة من الارتباك والحراك والتوترات الإقليمية، بخاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط هي أصلاً بؤرة من بؤر الصراع الدائم في العالم!
نيسان ـ نشر في 2026-01-07 الساعة 09:55
رأي: د. محمد أبو رمان باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومتخصص في شؤون الفكر الإسلامي


