اتصل بنا
 

ما بعد مادورو: ماذا يتغيّر في حسابات المغرب وملف الصحراء؟

نيسان ـ نشر في 2026-01-07 الساعة 13:50

نيسان ـ في الحسابات المغربية، لا يُقاس ما جرى في فنزويلا بسقوط مادورو فقط، بل بما إذا كان هذا الحدث سيؤدي إلى إضعاف إحدى أهم منصات الدعم الخارجي لجبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية. من هذه الزاوية، يكتسب ما بعد مادورو أهمية خاصة للمغرب في قضية الصحراء، لأنه قد يعيد ترتيب خريطة المواقف التي استُخدمت لسنوات لمواجهة الموقف المغربي في الملف. والسؤال المطروح اليوم ليس ما الذي ستؤول إليه الأوضاع في كاراكاس، بل ما الذي سيتغير في الخريطة الدبلوماسية التي تعتمد عليها جبهة البوليساريو، خصوصًا في أمريكا اللاتينية وحلفائها في الجوار المغربي، وما هي المكاسب المحتملة التي يمكن للمغرب تحقيقها في مرحلة ما بعد مادورو؟
تاريخيًا، لم تكن هناك خلافات بين المغرب وفنزويلا، وكانت العلاقات قائمة على طبيعتها العادية بين الدولتين. لكن مع صعود هوغو تشافيز، تحولت السياسة الخارجية الفنزويلية تدريجيًا نحو دعم حركات انفصالية خارج حدودها، وهو توجه استمر مع مادورو منذ توليه السلطة عام 2013، حيث أصبح دعم البوليساريو جزءًا ثابتًا من خطابها السياسي والدبلوماسي. وعليه، اتخذت الرباط قرارًا بإغلاق سفارتها في كاراكاس عام 2009، وهو موقف لم يكن تصعيديًا من طرف المغرب بقدر ما كان تأكيدًا على ثوابته السيادية تجاه ملف عَمّرَ أكثر من 50 عامًا بين المغرب وجبهة البوليساريو، والذي حسمه مؤخرًا القرار الأممي رقم 2797 لصالح المبادرة المغربية في الحكم الذاتي.
من منظوري الشخصي، أرى أن التحولات الأخيرة في فنزويلا تمثل مكسبًا غير مباشر للمغرب، وتفتح له نافذة استراتيجية مهمة، ليس لمجرد سقوط خصم، بل لأن صوتًا كان نشطًا في الدفاع عن أطروحة الانفصال خرج من المعادلة.
وأول مكسب محتمل بعد هذا التحول، هو إضعاف الدور الفنزويلي، الذي كان يُعتبر البوابة السياسية للبوليساريو داخل أمريكا اللاتينية، بل و كان صوتًا مرتفعًا داخل تكتلات يسارية تروّج لأطروحة الانفصال تحت غطاء حق تقرير المصير. بالتالي، غياب فنزويلا مادورو اليوم لا يعني بالضرورة تحول جميع الدول في القارة إلى موالية للمغرب، لكنه يقلل بشكل كبير من حدة التحالفات الموجهة ضده، ويحدّ من قدرة أطروحة الانفصال على إيجاد دعم سياسي لها هناك.
اما المكسب الثاني، يتعلق بالمرحلة القادمة لفنزويلا نفسها، بمعنى أي قيادة جديدة ستواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ضخمة، وهو ما سيدفعها إلى الانشغال بإعادة بناء الدولة واستقرارها الداخلي، بدل متابعة نزاع بعيد جغرافيًا عنها. بالتالي، هذا يتيح للمغرب هامشًا للتحرك، دون تدخل مباشر، لإعادة ترتيب أولويات الدبلوماسية الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحه وقضيته الوطنيه.
فيما المكسب الثالث، حسب تقديري، سينعكس على علاقات المغرب مع بعض دول الجوار التي كانت تراهن على الطرح الانفصالي في ملف الصحراء لأسباب إيديولوجية قديمة أكثر منها قراءة واقعية للتحولات الدولية. هذا الرهان بدأ يفقد تأثيره تدريجيًا ويتراجع في عالم تحركه اليوم البراغماتية والمصالح المرنة. ومن هذا المنطلق، فإن فقدان حليف للبوليساريو وداعميها في الإقليم يهيئ أرضية أفضل لسير المفاوضات التي دعا لها القرار الأممي رقم 2797 في أكتوبر الماضي، والذي يدعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويحث جميع الأطراف — المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو — على الانخراط في مفاوضات دون شروط مسبقة لإنهاء النزاع سياسيًا ونهائيًا.
المكسب الرابع يتعلق بأن، غياب الصوت الفنزويلي المناهض لسيادة المغرب على الصحراء يترك فراغًا يمكن للمغرب استثماره. ليس فقط عبر الضغط السياسي المباشر، بل عبر تعزيز نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي في المنطقة، وتوطيد علاقاته مع دول أمريكا اللاتينية التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية، وتسعى اليوم للاستثمار والتنمية والاستقرار، وربما هذه الظروف تتيح للمغرب تحقيق مكاسب لم تكن ممكنة من قبل.
بالنسبة لي، المكسب الخامس والأهم يتعلق بصورة المغرب في العالم. بينما كان المغرب يوسع اعترافاته بمغربية الصحراء ويفتح قنصليات في العيون والداخلة، واقامة المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية، مثل خط الغاز المغربي–نيجيريا، المبادرة الأطلسية، وميناء الداخلة الكبير،
كان النظام الفنزويلي يواجه عزلة وعقوبات وأزمة اقتصادية. هذا منح الرباط فرصة لتقوية موقعها كشريك موثوق، خصوصًا لدى الولايات المتحدة، التي ترى فيه دولة مستقرة وقادرة على إدارة الملفات الإقليمية الحساسة، و تمنح المغرب قدرة أكبر على التأثير في المنطقة واستثمار مكانته بشكل عملي وملموس.
في نهاية المطاف، سقوط مادورو لا يُعد انتصارًا مباشرًا للمغرب، لكنه يعيد ترتيب البيئة السياسية في أمريكا اللاتينية ويزيل أحد أبرز العقبات التي دعمت البوليساريو خارج محيطها المباشر. أمام المغرب اليوم فرصة استراتيجية يمكن استثمارها عبر إعادة تموضع دبلوماسي قائم على مصالحه وثوابته، و بناء شبكة علاقات اقتصادية ودبلوماسية جديدة تخدم مصالحه الاستراتيجية، مع التركيز على تعزيز موقفه في ملف الصحراء.

نيسان ـ نشر في 2026-01-07 الساعة 13:50

الكلمات الأكثر بحثاً