أكبر عملية 'نشل' قانوني في التاريخ
كيف استطاع هربرت صموئيل أن يسرق وطنًا كاملًا بالقلم لا بالبندقية؟
نيسان ـ نشر في 2026-01-10 الساعة 10:32
نيسان ـ إذا كنت تظن أن ضياع فلسطين بدأ عام 1948 فأنت مخطئ؛ فالقصة بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، عبر خطة خبيثة بالغة الدهاء، نُفِّذت تحت غطاء «القانون».
تعالوا نروي حكاية رجل يُدعى هربرت صموئيل، الذي جلس خلف مكتب، وارتدى بدلة رسمية، وبقرارات إدارية وقوانين مكتوبة، نقل أراضي فلسطين من أصحابها الأصليين إلى الحركة الصهيونية، وكل ذلك بصورة «قانونية».
البداية: حين أُعطي الذئب مفاتيح الحظيرة
عام 1920، وبعد الحرب العالمية الأولى، أعلنت بريطانيا فرض الانتداب على فلسطين بحجة إدارتها وتطويرها. ثم عيّنت حاكمًا فعليًا للبلاد بمنصب «المندوب السامي»، وكان هذا الحاكم هو هربرت صموئيل.
من هو صموئيل؟
هو سياسي بريطاني يهودي صهيوني متحمس. وقد صرّح حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية، قائلًا:
«أنا من رشحته لهذا المنصب… إنه منا وفينا».
وبذلك عُيّن رجل منحاز صراحة للمشروع الصهيوني حاكمًا على فلسطين، في خطوة تشبه تعيين لص مديرًا للبنك.
حكومة منحازة: إدارة صهيونية بغطاء بريطاني
ما إن وصل صموئيل إلى فلسطين حتى شكّل إدارة كاملة من شخصيات صهيونية تولّت أخطر المناصب:
وندم ديدز: السكرتير العام (ثاني أقوى منصب إداري)، وكان صهيونيًا متطرفًا يصرّح بأن مساعدته لليهود تُعجّل بقدوم المسيح.
نورمان بنتويتش: النائب العام، ومهمته الأساسية صياغة القوانين بما يخدم الاستيطان اليهودي.
شخصيات أخرى تولّت شؤون الهجرة، والتجارة، والأراضي.
وبذلك تحولت حكومة الانتداب عمليًا إلى ذراع إدارية للوكالة اليهودية.
الخطة الأساسية: تجريد الفلاح الفلسطيني من أرضه دون قتال
كان صموئيل يدرك أن الفلاح الفلسطيني متمسك بأرضه، ولن يبيعها طواعية. فكانت الخطة كالتالي:
إفقار الفلاح، تحميله الضرائب، إغراقه في الديون، ثم دفعه قسرًا إلى بيع أرضه، بحيث تكون الجهة الوحيدة القادرة على الشراء هي المؤسسات الصهيونية.
ولتنفيذ ذلك، صدرت سلسلة من القوانين المصممة بعناية:
أولًا: قانون «الأراضي الموات» (1921)
اعتبر القانون أن أي أرض غير مزروعة، أو تبعد أكثر من ميل ونصف عن القرية، تُعد أرضًا مواتًا تؤول ملكيتها إلى الحكومة.
وقد مُنحت هذه الأراضي لاحقًا للمؤسسات الصهيونية، مما أدى إلى مصادرة ما بين 50% و60% من أراضي فلسطين، خصوصًا المراعي والأراضي البكر.
ثانيًا: قانون «الأراضي المحلولة» (1920)
نصّ القانون على مصادرة أي أرض لم تُزرع لمدة ثلاث سنوات متتالية، لأي سبب كان.
ولإحكام الطوق:
أغلق صموئيل البنك الزراعي العثماني الذي كان يقرض الفلاحين بفوائد بسيطة.
صودرت أمواله، وقدّرت حينها بنحو 64 ألف جنيه إسترليني.
فأصبح الفلاح أمام خيارين:
عدم الزراعة، فتُصادر الأرض.
الاقتراض من المرابين اليهود بفوائد تصل إلى 50%، ثم العجز عن السداد، فتأمر المحاكم ببيع الأرض للمُرابي.
ثالثًا: قانون انتقال الأراضي (1920 – 1921)
في البداية فُرضت قيود على بيع الأراضي للسيطرة على السوق، ثم عُدّل القانون عام 1921، وفتح الباب بلا قيود، بما يسمح لأي شخص – حتى لو كان خارج فلسطين – بشراء مساحات شاسعة.
وكان هذا التعديل بمثابة البوابة الذهبية أمام الشركات الصهيونية.
رابعًا: قانون الغابات والأحراش
حوّل هذا القانون الغابات والمناطق المشجرة إلى «محميات حكومية»، ومنع الفلاحين من الرعي أو الاحتطاب فيها، قبل أن تُحوَّل لاحقًا إلى مستوطنات.
الضرائب: الضربة القاضية للفلاح الفلسطيني
فرضت إدارة صموئيل ضرائب قاسية:
ضريبة العُشر
ضريبة الأملاك
ضرائب المعاملات
حتى بات الفلاح يدفع ما يقارب 50% من دخله ضرائب.
كما مُنع تصدير المحاصيل الزراعية، مما أدى لانخفاض أسعارها محليًا، وخسارة الفلاح، واضطراره لبيع أرضه بأثمان بخسة.
الخلاصة المؤلمة
خلال خمس سنوات فقط (1920–1925)، أسّس هربرت صموئيل البنية القانونية والإدارية لدولة إسرائيل:
سلّم الأراضي
دعم مشاريع الكهرباء والمياه
أسّس نظام التعليم
فتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه
ليأتي عام 1948، فتكون الدولة جاهزة للإعلان.
من باع الأرض؟ الأرقام تكشف الحقيقة
مساحة فلسطين الكلية: 27 مليون دونم
حتى عام 1948، لم تتجاوز ملكية اليهود 1.6 – 1.8 مليون دونم (نحو 6–7%).
تحليل هذه النسبة:
58.5%: باعها إقطاعيون عرب غير فلسطينيين (عائلات لبنانية وسورية).
36%: باعتها عائلات إقطاعية فلسطينية (استثناءات منبوذة).
نسبة ضئيلة جدًا جاءت من فلاحين أُجبروا على البيع بسبب القوانين والديون.
ومن أبرز العائلات:
عائلة سرسق: باعت مرج ابن عامر (نحو 400 ألف دونم)، وتسبب ذلك في تهجير 1746 عائلة فلسطينية.
عائلة التيان: باعت أراضي وادي الحوارث.
عائلات تويني، القباني، بيضون وغيرها.
الخلاصة النهائية
الفلاح الفلسطيني لم يبع أرضه، بل دافع عنها بالإضراب والثورة، ودفع ثمن ذلك دمًا وتشريدًا.
الذين باعوا الأرض هم الإقطاعيون المتحالفون مع سلطة الانتداب، مستفيدين من قوانين صُمّمت خصيصًا لتمكين المشروع الصهيوني.
إن ضياع فلسطين لم يكن نتيجة عقود بيع شرعية، بل نتيجة استعمار، وقوانين منحازة، وقوة عسكرية فرضت الأمر الواقع.
التاريخ لا يُزوَّر، والحق لا يموت.
تعالوا نروي حكاية رجل يُدعى هربرت صموئيل، الذي جلس خلف مكتب، وارتدى بدلة رسمية، وبقرارات إدارية وقوانين مكتوبة، نقل أراضي فلسطين من أصحابها الأصليين إلى الحركة الصهيونية، وكل ذلك بصورة «قانونية».
البداية: حين أُعطي الذئب مفاتيح الحظيرة
عام 1920، وبعد الحرب العالمية الأولى، أعلنت بريطانيا فرض الانتداب على فلسطين بحجة إدارتها وتطويرها. ثم عيّنت حاكمًا فعليًا للبلاد بمنصب «المندوب السامي»، وكان هذا الحاكم هو هربرت صموئيل.
من هو صموئيل؟
هو سياسي بريطاني يهودي صهيوني متحمس. وقد صرّح حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية، قائلًا:
«أنا من رشحته لهذا المنصب… إنه منا وفينا».
وبذلك عُيّن رجل منحاز صراحة للمشروع الصهيوني حاكمًا على فلسطين، في خطوة تشبه تعيين لص مديرًا للبنك.
حكومة منحازة: إدارة صهيونية بغطاء بريطاني
ما إن وصل صموئيل إلى فلسطين حتى شكّل إدارة كاملة من شخصيات صهيونية تولّت أخطر المناصب:
وندم ديدز: السكرتير العام (ثاني أقوى منصب إداري)، وكان صهيونيًا متطرفًا يصرّح بأن مساعدته لليهود تُعجّل بقدوم المسيح.
نورمان بنتويتش: النائب العام، ومهمته الأساسية صياغة القوانين بما يخدم الاستيطان اليهودي.
شخصيات أخرى تولّت شؤون الهجرة، والتجارة، والأراضي.
وبذلك تحولت حكومة الانتداب عمليًا إلى ذراع إدارية للوكالة اليهودية.
الخطة الأساسية: تجريد الفلاح الفلسطيني من أرضه دون قتال
كان صموئيل يدرك أن الفلاح الفلسطيني متمسك بأرضه، ولن يبيعها طواعية. فكانت الخطة كالتالي:
إفقار الفلاح، تحميله الضرائب، إغراقه في الديون، ثم دفعه قسرًا إلى بيع أرضه، بحيث تكون الجهة الوحيدة القادرة على الشراء هي المؤسسات الصهيونية.
ولتنفيذ ذلك، صدرت سلسلة من القوانين المصممة بعناية:
أولًا: قانون «الأراضي الموات» (1921)
اعتبر القانون أن أي أرض غير مزروعة، أو تبعد أكثر من ميل ونصف عن القرية، تُعد أرضًا مواتًا تؤول ملكيتها إلى الحكومة.
وقد مُنحت هذه الأراضي لاحقًا للمؤسسات الصهيونية، مما أدى إلى مصادرة ما بين 50% و60% من أراضي فلسطين، خصوصًا المراعي والأراضي البكر.
ثانيًا: قانون «الأراضي المحلولة» (1920)
نصّ القانون على مصادرة أي أرض لم تُزرع لمدة ثلاث سنوات متتالية، لأي سبب كان.
ولإحكام الطوق:
أغلق صموئيل البنك الزراعي العثماني الذي كان يقرض الفلاحين بفوائد بسيطة.
صودرت أمواله، وقدّرت حينها بنحو 64 ألف جنيه إسترليني.
فأصبح الفلاح أمام خيارين:
عدم الزراعة، فتُصادر الأرض.
الاقتراض من المرابين اليهود بفوائد تصل إلى 50%، ثم العجز عن السداد، فتأمر المحاكم ببيع الأرض للمُرابي.
ثالثًا: قانون انتقال الأراضي (1920 – 1921)
في البداية فُرضت قيود على بيع الأراضي للسيطرة على السوق، ثم عُدّل القانون عام 1921، وفتح الباب بلا قيود، بما يسمح لأي شخص – حتى لو كان خارج فلسطين – بشراء مساحات شاسعة.
وكان هذا التعديل بمثابة البوابة الذهبية أمام الشركات الصهيونية.
رابعًا: قانون الغابات والأحراش
حوّل هذا القانون الغابات والمناطق المشجرة إلى «محميات حكومية»، ومنع الفلاحين من الرعي أو الاحتطاب فيها، قبل أن تُحوَّل لاحقًا إلى مستوطنات.
الضرائب: الضربة القاضية للفلاح الفلسطيني
فرضت إدارة صموئيل ضرائب قاسية:
ضريبة العُشر
ضريبة الأملاك
ضرائب المعاملات
حتى بات الفلاح يدفع ما يقارب 50% من دخله ضرائب.
كما مُنع تصدير المحاصيل الزراعية، مما أدى لانخفاض أسعارها محليًا، وخسارة الفلاح، واضطراره لبيع أرضه بأثمان بخسة.
الخلاصة المؤلمة
خلال خمس سنوات فقط (1920–1925)، أسّس هربرت صموئيل البنية القانونية والإدارية لدولة إسرائيل:
سلّم الأراضي
دعم مشاريع الكهرباء والمياه
أسّس نظام التعليم
فتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه
ليأتي عام 1948، فتكون الدولة جاهزة للإعلان.
من باع الأرض؟ الأرقام تكشف الحقيقة
مساحة فلسطين الكلية: 27 مليون دونم
حتى عام 1948، لم تتجاوز ملكية اليهود 1.6 – 1.8 مليون دونم (نحو 6–7%).
تحليل هذه النسبة:
58.5%: باعها إقطاعيون عرب غير فلسطينيين (عائلات لبنانية وسورية).
36%: باعتها عائلات إقطاعية فلسطينية (استثناءات منبوذة).
نسبة ضئيلة جدًا جاءت من فلاحين أُجبروا على البيع بسبب القوانين والديون.
ومن أبرز العائلات:
عائلة سرسق: باعت مرج ابن عامر (نحو 400 ألف دونم)، وتسبب ذلك في تهجير 1746 عائلة فلسطينية.
عائلة التيان: باعت أراضي وادي الحوارث.
عائلات تويني، القباني، بيضون وغيرها.
الخلاصة النهائية
الفلاح الفلسطيني لم يبع أرضه، بل دافع عنها بالإضراب والثورة، ودفع ثمن ذلك دمًا وتشريدًا.
الذين باعوا الأرض هم الإقطاعيون المتحالفون مع سلطة الانتداب، مستفيدين من قوانين صُمّمت خصيصًا لتمكين المشروع الصهيوني.
إن ضياع فلسطين لم يكن نتيجة عقود بيع شرعية، بل نتيجة استعمار، وقوانين منحازة، وقوة عسكرية فرضت الأمر الواقع.
التاريخ لا يُزوَّر، والحق لا يموت.


