إشكالية تراجع عدد السكان
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-01-11 الساعة 09:38
نيسان ـ تتوقع النماذج الديموغرافية للأمم المتحدة أن يتراجع عدد سكان الصين من نحو 1.4 مليار نسمة اليوم إلى قرابة 633 مليون نسمة بحلول عام 2100. وقد سجل عام 2024 ولادة 9.54 ملايين طفل فقط، أي نصف عدد المواليد عام 2016. في المقابل، يتزايد عدد الشباب الذين تخلوا عن فكرة الإنجاب و يؤمنون بفكرة DINK، وهو اختصار لعبارة Dual Income No Kids، أي زوجان يعملان بدخل مزدوج بلا أطفال.
تتعدد أسباب ذلك العزوف، من ارتفاع كلفة المعيشة إلى ضغوط العمل القاسية، خاصة في ظل ثقافة «996»، حيث يعمل الموظفون من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء، ستة أيام في الأسبوع. فالناس باتوا مستغرقين في العمل إلى درجة يصعب معها التفكير في تكوين أسرة، فضلا عن إنجاب أطفال.
بعد عقود من التطبيق الصارم لسياسة «الطفل الواحد»، سمحت الصين عام 2016 بإنجاب طفل ثان، ثم وسعت القرار بعد خمس سنوات ليشمل طفلا ثالثا. كما فرضت مطلع هذا العام ضريبة على الواقيات الذكرية وحبوب منع الحمل، في محاولة لوقف التراجع السكاني ومعالجة أزمة الشيخوخة واختلال التوازن بين الجنسين. الحكومة التي كانت تعاقب وتغرم، بل وتجبر بعض الأمهات على الإجهاض، صارت اليوم ترفع شعارات تدعو الأزواج إلى الإنجاب من أجل الوطن، ما أثار موجة سخرية وانتقادات رأت في هذه السياسات تدخلا فجّا ومنفصلا عن واقع الناس.
غير أن الأثر الأعمق لهذه السياسات لا يظهر في الرسوم البيانية، بل في النفوس. أتذكر «منج شو» طفلة صديقنا المرحة ذات الحضور البهي، المتقنة لغتها الأم إلى جانب الإنجليزية والعربية. لم نكن نتصور أنها تخبئ شعورا مركبا بالوحدة. قالت لابنتي إنها تشعر بنفسها كائنا ناقصا، بلا عم أو عمة، ولا خال أو خالة، والأقسى أنها لن تكون يوما ما عمة أو خالة لأحد. ستنشأ وحيدة، كما تقول، بلا امتداد عائلي ولا شبكة قرابة.
ربما أن سياسة الطفل الواحد، التي أقرت عام 1978، تجاوزت حق الأسر الطبيعي في تقرير عدد أبنائها والمسافة بينهم. ولم تكتف بذلك، بل أسهمت في خلل ديموغرافي عميق، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى وجود أكثر من ثلاثين مليون رجل لا يجدون شريكات حياة، نتيجة تفضيل الذكور في مجتمع يعرف بهذه العقلية منذ زمن.
اليوم، تحاول الدولة أن تعالج نتائج قراراتها بشعارات جديدة. لكن المجتمعات لا تغير طباعها بمرسوم، ولا تنجب الأمهات استجابة لنداء رسمي. فالدولة قد تجبر الأرحام على التوقف، لكنها لا تستطيع أن تجبر القلوب على العودة إلى تقبل الأبوة والأمومة. وحين تكتشف ذلك، يكون الثمن قد دُفع، لا من خزائنها، بل من أعمار أجيال كاملة.
يبقى الأمل أن تتعلم الصين من دروسها القاسية، وأن تنحاز إلى إنسانها قبل أرقامها، وإلى الأسرة بوصفها قيمة حية لا أداة سياسية، متمنين لها خيرا يليق بتاريخها، وعدلا يداوي ما خلّفته السياسات من ندوب.
تتعدد أسباب ذلك العزوف، من ارتفاع كلفة المعيشة إلى ضغوط العمل القاسية، خاصة في ظل ثقافة «996»، حيث يعمل الموظفون من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء، ستة أيام في الأسبوع. فالناس باتوا مستغرقين في العمل إلى درجة يصعب معها التفكير في تكوين أسرة، فضلا عن إنجاب أطفال.
بعد عقود من التطبيق الصارم لسياسة «الطفل الواحد»، سمحت الصين عام 2016 بإنجاب طفل ثان، ثم وسعت القرار بعد خمس سنوات ليشمل طفلا ثالثا. كما فرضت مطلع هذا العام ضريبة على الواقيات الذكرية وحبوب منع الحمل، في محاولة لوقف التراجع السكاني ومعالجة أزمة الشيخوخة واختلال التوازن بين الجنسين. الحكومة التي كانت تعاقب وتغرم، بل وتجبر بعض الأمهات على الإجهاض، صارت اليوم ترفع شعارات تدعو الأزواج إلى الإنجاب من أجل الوطن، ما أثار موجة سخرية وانتقادات رأت في هذه السياسات تدخلا فجّا ومنفصلا عن واقع الناس.
غير أن الأثر الأعمق لهذه السياسات لا يظهر في الرسوم البيانية، بل في النفوس. أتذكر «منج شو» طفلة صديقنا المرحة ذات الحضور البهي، المتقنة لغتها الأم إلى جانب الإنجليزية والعربية. لم نكن نتصور أنها تخبئ شعورا مركبا بالوحدة. قالت لابنتي إنها تشعر بنفسها كائنا ناقصا، بلا عم أو عمة، ولا خال أو خالة، والأقسى أنها لن تكون يوما ما عمة أو خالة لأحد. ستنشأ وحيدة، كما تقول، بلا امتداد عائلي ولا شبكة قرابة.
ربما أن سياسة الطفل الواحد، التي أقرت عام 1978، تجاوزت حق الأسر الطبيعي في تقرير عدد أبنائها والمسافة بينهم. ولم تكتف بذلك، بل أسهمت في خلل ديموغرافي عميق، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى وجود أكثر من ثلاثين مليون رجل لا يجدون شريكات حياة، نتيجة تفضيل الذكور في مجتمع يعرف بهذه العقلية منذ زمن.
اليوم، تحاول الدولة أن تعالج نتائج قراراتها بشعارات جديدة. لكن المجتمعات لا تغير طباعها بمرسوم، ولا تنجب الأمهات استجابة لنداء رسمي. فالدولة قد تجبر الأرحام على التوقف، لكنها لا تستطيع أن تجبر القلوب على العودة إلى تقبل الأبوة والأمومة. وحين تكتشف ذلك، يكون الثمن قد دُفع، لا من خزائنها، بل من أعمار أجيال كاملة.
يبقى الأمل أن تتعلم الصين من دروسها القاسية، وأن تنحاز إلى إنسانها قبل أرقامها، وإلى الأسرة بوصفها قيمة حية لا أداة سياسية، متمنين لها خيرا يليق بتاريخها، وعدلا يداوي ما خلّفته السياسات من ندوب.


