في غزّة يصبح المنخفضُ نَعشًا
كامل نصيرات
كاتب صحافي
نيسان ـ نشر في 2026-01-14 الساعة 09:42
نيسان ـ في هذا المنخفض الثلجي، حين يتواطأ البرد مع الركام، وتشتد الريح كأنها سوطٌ من ليلٍ لا ينتهي، تبدو غزّة وكأنها تقف عاريةً أمام قسوة الوجود، لا تملك سوى أجسادٍ نحيلةٍ من الصبر، وقلوبٍ أثقلها الانتظار. الثلج هنا ليس بياضًا شاعريًا كما في قصائد العشّاق، بل كفنٌ باردٌ يُسدل على مدينةٍ أنهكتها الحروب، فصار البياض لون الفقد، وصارت البرودة لغة الموت البطيء.
تسقط المباني في غزّة لا كأحجارٍ صمّاء، بل كأجسادٍ كانت تحضن أسماء أهلها، وحكايات أعمارهم، ودفاتر طفولةٍ لم تُكمِل رسم الشمس. كل جدارٍ ينهار، يترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء؛ فراغًا يشبه الفقد حين يستقرّ في الروح فلا يبرحها. وبين ركامٍ يعلو وسماءٍ تهطل ثلجًا، يقف الإنسان الغزّي، صغيرًا كان أو كبيرًا، كأنه سؤالٌ معلّقٌ في هواءٍ لا يجيب.
البيوت التي نجت من القصف لا تنجو من البرد. الريح تدخلها بلا استئذان، تُطفئ ما تبقّى من نارٍ خجولة، وتلسع الوجوه حتى تتشقّق الأحلام. الأمهات يلففن أبناءهنّ بما تيسّر من أقمشةٍ بالية، وكأنهنّ ينسجن الدفء من قلقٍ لا ينتهي. والآباء يقفون حُرّاسًا على أبوابٍ مخلّعة، يحرسون ما تبقّى من معنى البيت، وهم يعلمون أنّ الحراسة هنا فعلُ كرامةٍ أكثر منه فعلَ أمان.
في ليالي الثلج، لا ينام أهل غزّة؛ فالنوم ترفٌ حين يكون الجسد على موعدٍ مع الرعشة، والروح على موعدٍ مع خبرٍ قد يأتي مع أول ضوء. الأطفال يسألون عن معنى الصقيع، والآباء يبحثون في الكلمات عن إجابةٍ لا تزيد الخوف. يبرد الجسد، لكن الذي يتجمّد حقًا هو الإحساس بالعدل في هذا العالم؛ إذ كيف يُترك إنسانٌ ليتجمّد لأنّ الخراب سبقه إلى سقفه؟
والموت، حين يأتي في هذا البرد، لا يطرق الأبواب؛ يدخل صامتًا كظلٍّ ثقيل، يختطف أنفاسًا ضعيفة، ويترك خلفه أمًّا تحدّق في الفراغ، وأبًا يتعلّم للمرة الألف كيف يكتم صرخته. لا موسيقى جنازات هنا، ولا وقت للبكاء الطويل؛ فالحيّ مشغولٌ بالبقاء، والدمع يتجمّد قبل أن يصل إلى الخدّ.
غزّة في هذا المنخفض ليست مدينةً فحسب، بل مرآةٌ فاضحةٌ لضمير العالم. هي درسٌ قاسٍ في معنى الصبر حين يتحوّل إلى حياةٍ كاملة، وفي معنى الكرامة حين تُختبر في أبسط حقوق الجسد: الدفء. هنا، يصبح البرد عدوًا إضافيًا، ويصير الثلج شاهدًا أبيض على مأساةٍ لا تريد أن تنتهي.
ومع ذلك، وبين كل هذا القهر، لا تزال غزّة تُمسك بخيطٍ رفيعٍ من الأمل، لا لأنّ الأمل سهل، بل لأنّ الاستسلام مستحيل. فهؤلاء الذين يقفون في العراء، تحت سماءٍ باردةٍ وقلوبٍ محروقة، يعرفون أن الحياة، مهما قست، تُهزم أحيانًا بإصرار من يرفض أن يموت قبل أن يشهد فجرًا أقلّ قسوة.
تسقط المباني في غزّة لا كأحجارٍ صمّاء، بل كأجسادٍ كانت تحضن أسماء أهلها، وحكايات أعمارهم، ودفاتر طفولةٍ لم تُكمِل رسم الشمس. كل جدارٍ ينهار، يترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء؛ فراغًا يشبه الفقد حين يستقرّ في الروح فلا يبرحها. وبين ركامٍ يعلو وسماءٍ تهطل ثلجًا، يقف الإنسان الغزّي، صغيرًا كان أو كبيرًا، كأنه سؤالٌ معلّقٌ في هواءٍ لا يجيب.
البيوت التي نجت من القصف لا تنجو من البرد. الريح تدخلها بلا استئذان، تُطفئ ما تبقّى من نارٍ خجولة، وتلسع الوجوه حتى تتشقّق الأحلام. الأمهات يلففن أبناءهنّ بما تيسّر من أقمشةٍ بالية، وكأنهنّ ينسجن الدفء من قلقٍ لا ينتهي. والآباء يقفون حُرّاسًا على أبوابٍ مخلّعة، يحرسون ما تبقّى من معنى البيت، وهم يعلمون أنّ الحراسة هنا فعلُ كرامةٍ أكثر منه فعلَ أمان.
في ليالي الثلج، لا ينام أهل غزّة؛ فالنوم ترفٌ حين يكون الجسد على موعدٍ مع الرعشة، والروح على موعدٍ مع خبرٍ قد يأتي مع أول ضوء. الأطفال يسألون عن معنى الصقيع، والآباء يبحثون في الكلمات عن إجابةٍ لا تزيد الخوف. يبرد الجسد، لكن الذي يتجمّد حقًا هو الإحساس بالعدل في هذا العالم؛ إذ كيف يُترك إنسانٌ ليتجمّد لأنّ الخراب سبقه إلى سقفه؟
والموت، حين يأتي في هذا البرد، لا يطرق الأبواب؛ يدخل صامتًا كظلٍّ ثقيل، يختطف أنفاسًا ضعيفة، ويترك خلفه أمًّا تحدّق في الفراغ، وأبًا يتعلّم للمرة الألف كيف يكتم صرخته. لا موسيقى جنازات هنا، ولا وقت للبكاء الطويل؛ فالحيّ مشغولٌ بالبقاء، والدمع يتجمّد قبل أن يصل إلى الخدّ.
غزّة في هذا المنخفض ليست مدينةً فحسب، بل مرآةٌ فاضحةٌ لضمير العالم. هي درسٌ قاسٍ في معنى الصبر حين يتحوّل إلى حياةٍ كاملة، وفي معنى الكرامة حين تُختبر في أبسط حقوق الجسد: الدفء. هنا، يصبح البرد عدوًا إضافيًا، ويصير الثلج شاهدًا أبيض على مأساةٍ لا تريد أن تنتهي.
ومع ذلك، وبين كل هذا القهر، لا تزال غزّة تُمسك بخيطٍ رفيعٍ من الأمل، لا لأنّ الأمل سهل، بل لأنّ الاستسلام مستحيل. فهؤلاء الذين يقفون في العراء، تحت سماءٍ باردةٍ وقلوبٍ محروقة، يعرفون أن الحياة، مهما قست، تُهزم أحيانًا بإصرار من يرفض أن يموت قبل أن يشهد فجرًا أقلّ قسوة.
نيسان ـ نشر في 2026-01-14 الساعة 09:42
رأي: كامل نصيرات كاتب صحافي


