اتصل بنا
 

التأقلم مع البرد بالريش

رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

نيسان ـ نشر في 2026-01-14 الساعة 13:19

نيسان ـ على غرار ماري أنطوانيت التي حثت الفقراء على أكل البسكويت، عندما شكوا لها عدم توفر الخبز؛ فإن أحد البطرانين يقترح أن يهاجر الأردنيون مطلع كل شتاء إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، كما تهاجر الطيور، بحثاً عن مواطئ الدفء، فبهذه الطريقة نخلص من فاتورتنا الشتوية الكبيرة. لكن هذا البطران ينسى أن الفقر بدون أجنحة إلا من أحلام يقظة لا تنفع بطيران بين كنبتين.
وللناس في مجابهة البرد طرق شتى، أي أن لكل واحد طريقته في اتقاء شر هذا الملعون، الذي يسبب كل داء وعلة، ففئة قليلة لن تشعر به ليس بسبب طبقات الدهن المركومة تحت جلودهم فحسب، بل أنهم يحظون ببيوت دائمة الربيع، وفئة سيواجهونه بلعق العسل، الذي يمدهم بسعرات حرارية تجعل حرارتهم موازية لمدفأة نهمة، والبعض لا يملكون إلا أن يتحسروا على نعيم صيف فائت، ويترحمون على لياليه فوق أسطح البيوت، إذ يلتحفون بطانية السماء.
من مزايا الطفر العتيدة أنه يشجع التراث ويحييه من مرقده، فكثيرون أعادوا مدفأة الحطب للخدمة، بعد أن أحيلت إلى التقاعد منذ عقود، وهي ليس بالضرورة تعمل على الحطب، بل الجفت أو الكرتون أو حتى على الأحذية المهترئة، أو الكاوتشوك والبلاستين أو الزيت المحروق، فالنار تأكل كل شي، وصوته المهزوز يقول، ليس مهما إلا أن ندفئ صغارنا حتى لو أشعلنا أضلاعنا.
ستدخل الأغلبية الصامتة من البردانين في سبات عميم، وينامون متكورين على هواجسهم، وسيحلمون بقصائد الشبع والدفء، وبين القصيدة والقصيدة سينفثون شخيرهم الحار؛ فلديهم من الغيظ ما يكفي لإيقاظ بركان، ومن الحرارة ما يكفي لإشعال شمس نائمة، لكنهم يعرفون تماماً أنهم في حلم مبلول، مما يجعل بارود كلامهم أكثر بللاً، وفتيل احتراقهم مقطوع، ولهذا يندغمون بالصمت ويغمضون عيونهم وينامون على شخير.
الرأي السديد أن البرد تعويد واعتياد، وليس هنالك على الأرض كائن أكثر قدرة من الإنسان على التكيف والتأقلم ولهذا فأعتقد أننا بعد عقدين سنتفاهم مع البرد ونعتاده ويعتادنا ونصادقه ويصادقنا، ريثما تمنحنا الطبيعة ريشاً طويلاً يحمينا من هذا الغلاء.

نيسان ـ نشر في 2026-01-14 الساعة 13:19


رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

الكلمات الأكثر بحثاً