اتصل بنا
 

الامريكيون والعالم انتظروا موقفا ما من ترامب عن ايران.. فحدّثهم عن حليب الاطفال وزلاجات الكلاب الدنماركية ثم قال: إنه 'عالم مجنون'‏

«إنه عالم مجنون»، تلك كانت الحكمة من فم ترامب، وربما تكون الأكثر دقة ومنطقية في تصريحاته.‏

نيسان ـ نشر في 2026-01-15 الساعة 13:06

الامريكيون والعالم انتظروا موقفا ما من
نيسان ـ خيّم التوتر بثقله على واشنطن، وامتد عبر الأطلسي، وألقى بظلاله على الشرق الأوسط، الجميع كان ينتظر ناراً من ‏السماء، وليس نيراناً من الألسنة.. الكل أصبح شغله الشاغل ماذا سيفعل ترامب، ماذا سيقول؟ أي تصرف سيصدر منه، الجميع يترقّب ما الذي سيفعله ‏ترامب لاحقاً، وهو وفقاً لتقرير نشرته "‏CNN‏" يستمتع بذلك، جالساً خلف مكتب المكتب البيضاوي، يقذف التهديدات ‏والمناورات والإهانات كقائد أوركسترا يعزف موسيقى نشاذ، ويثير الفوضى عالمياً‎.‎
عندما سُئل كيف يمكنه الوثوق بالتعهدات الإيرانية، ترك ترامب الأميركيين على واحد من تعليقاته المشوّقة المعتادة‎.
قال: «سنكتشف ذلك. سأعرف بعد هذا. وأنتم ستعرفون، لكننا أُبلغنا من جهة موثوقة، وآمل أن يكون ذلك صحيحاً. من ‏يدري؟ من يدري. إنه عالم مجنون».‏
«إنه عالم مجنون»، تلك كانت الحكمة من فم ترامب، وربما تكون الأكثر دقة ومنطقية في تصريحاته.‏
والأكثر جنوناً أن ترامب كان يتحدث عن قضية مصيرية تتعلق بالحرب والسلام، لينحرف بمسار الحديث ‏مروجاً خلال فعالية في المكتب البيضاوي، للحليب كامل الدسم الذي ستتمكن المدارس من تقديمه للأطفال بموجب قانون ‏جديد أُقِرّ حديثاً‎.‎
سأل ترامب مجموعة الصحافيين المتعطشين لمعرفة ما إذا كان على وشك شن هجوم على إيران: «تتذكرون الأيام ‏الخوالي عندما كنا أطفالاً؟».‏‎
وفي استطراد مذهل، تابع: «كان الجميع يشترك في زجاجة واحدة. اليوم لا نفعل ذلك عادة. لكن إن أردتم، وإذا كنتم ‏تثقون بالشخص الذي تشربون بعده، فهي هنا، لكم. حسناً؟».‏
وأضاف عن زجاجة الحليب الموضوعة على مكتب «ريزولوت»: «إنها شبه طازجة - عمرها خمسة أو ستة أيام".‏
ولا أحد يعرف ما إن كانت رسالة أم جنوح في الحديث أم تشتيت انتباه، في موقف آخر من مواقف دونالد ترامب التي ‏يعجز فيها المحللون عن الفهم والاستنتاج.‏
وكما هو الحال غالباً في عهد ترامب، كان يوماً سريالياً في واشنطن، فالبيت الأبيض استقبل وفداً من غرينلاند والدنمارك ‏عقب مطالبة ترامب بامتلاك أكبر جزيرة في العالم‎.‎
جاء المسؤولون إلى واشنطن ليؤكدوا أن الإقليم الدنماركي شبه المستقل ليس للبيع، وأن على ترامب ألا يحاول شراءه أو ‏غزوه‎.‎
فيزداد المشهد غرابة لأن غرينلاند التابعة لحلف «الناتو»، زعم ترامب بأن الدنمارك لا تستطيع الدفاع عنها، الدنمارك ‏التي هي بالتبعية عضو في الناتو، وبالتالي فأي هجوم على الجزيرة سيُعد هجوماً على جميع أعضاء الناتو بموجب ‏ضمان الدفاع المشترك‎.‎
أسوأ ما كان يمكن أن يحدث في المحادثات مع جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو هو انفجار يذكّر بتوبيخ ‏نائب الرئيس لزعيم أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي العام الماضي، ويبدو أن هذا السيناريو تم تجنّبه، رغم أن الوفد القَلِق ‏بوضوح خرج ليؤكد استمرار «خلاف جوهري» بشأن ما ينبغي أن يحدث لغرينلاند‎.‎
لاحقاً، في المكتب البيضاوي، اشتكى الرئيس من حاجته لغرينلاند من أجل درع الصواريخ المقترح «القبة الذهبية»، ‏وحذّر من أن روسيا والصين تستعدان للتحرك في الإقليم، حيث توجد بالفعل قاعدة أميركية، في تدارك يوضح أن ‏الاجتماع لم يحتوي على تبريرات منطقية للجانب الدنماركي، وفقاً لـ"‏CNN‏".‏
وكان ترامب قاسياً في انتقاد القدرات العسكرية لحليف شجاع في الناتو أرسل قواته لتقاتل وتموت إلى جانب الأميركيين ‏في حروب ما بعد 11 سبتمبر، التزاماً بالمبدأ نفسه «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» الذي استندت إليه ‏الدنمارك وبقية الأعضاء لصالح الولايات المتحدة بعد هجمات القاعدة عام 2001‏‎.‎
وقال ترامب: «أضافوا زلاجة كلاب إضافية الشهر الماضي. أضافوا زلاجة ثانية، هذا لن يفي بالغرض في غرينلاند".‏
وخلال اليوم نفسه، أخذت أزمة غرينلاند منعطفاً أكثر غرابة، فقالت الدنمارك إنها سترسل مزيداً من العسكريين إلى ‏الجزيرة، وانضمت إليها دول إسكندنافية أخرى، والسويد سترسل عدداً غير محدد من الجنود، والنرويج سترسل ‏مندوبين، وألمانيا أعلنت أنها سترسل 13 عسكرياً في «مهمة استطلاعية» للانضمام إلى رفاقهم في الناتو‎.‎
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأربعاء أنه أرسل قوات فرنسية للانضمام إلى العملية التي نُظِّمت على ‏عجل «التحمّل القطبي» في غرينلاند، وكتب على منصة «إكس»: "العناصر العسكرية الفرنسية الأولى في طريقها ‏بالفعل. وستتبعها عناصر أخرى".‏
فهل أصبح حلفاء الأمس لأمريكا أعداء اليوم وفقاً لهذا المشهد العبثي السيريالي؟
هذه التحركات رمزية بطبيعتها؛ فهي ليست حرباً بعد بين الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن إرسال دول أوروبية رجالها ‏بشكل دعائي هو إعلان الاستعداد للدفاع عن أراضٍ تابعة للناتو، لا من روسيا أو الصين أو جماعة إرهابية، بل من ‏رئيس الولايات المتحدة القائد الأهم والأقوى في التحالف الغربي‎.‎
فماذا بعد؟ هل يواصل ترامب الضغط لإجبار الدنمارك على بيع غرينلاند؟ رغم أنه لم يقدّم أي خطة لكيفية تدبير مئات ‏المليارات من الدولارات التي قد يتطلبها ذلك؟ أم سيُتمّ غارته الجريئة التي أطاحت بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو ‏بإرسال قوات أميركية للاستيلاء على الإقليم وفرض الأمر الواقع؟ خطوة كهذه ستضع كبار قادة البنتاغون الذين يديرون ‏الناتو أمام معضلة صارخة‎.‎
ترامب قال: «سنرى ما الذي سيحدث مع غرينلاند»، مستخدماً عبارته الغامضة المفضلة، ومتقمصاً وضعية المراقب ‏الخارجي لأحداث هو صاحب القرار الوحيد فيها‎.‎
وقالت "‏CNN‏" في تقريرها إن العالم بأسره يتذوّق الآن طعم الحياة في أميركا على مدى خمس سنوات، عبر ولايتين ‏لترامب، مشرة إلى أنهم يواجهون رئيساً يحكم بالنزوة، واستراتيجيته أن لا تكون لديه استراتيجية واضحة، سوى إبقاء ‏الجميع في حالة تخمين دائم‎.‎
أنصار ترامب يجادلون بأن عدم قابليته للتنبؤ ميزة؛ إذ وضع العالم على أعصابه وأعاد بناء القوة والنفوذ الأميركيين ‏بالسيريالية والضربات المفاجئة، فإذا لم يكن هو نفسه متأكداً مما سيفعله لاحقاً، فكيف لخصوم الولايات المتحدة أن يكونوا ‏متأكدين؟
يستطيع ترامب التفاخر بإنجازات في السياسة الخارجية، إلا أن "اليوم التالي" ليس حاضراً أو واضحا في أغلب سياساته، ‏فلا أحد يعلم إن كانت لديه خطة لفنزويلا ما بعد مادورو ولا معرفة بما يدور في خلده حول غرينلاند والوضع في إيران ‏والشرق الأوسط، لا أحد يعلم طالما يظل مردداً لعبارته "سنرى" وكأنه يرى معنا وليس معنياً بالإجابة عن الأسئلة ‏المبنية على أفعال إدارته‎.‎
ومع ذلك، يبقى الإحساسٌ قائماً بأن ترامب يرتجل، أو كما وصفته "‏CNN‏" كبهلوان يحاول يائساً إبقاء عدة كرات في ‏الهواء في آن واحد، ولا ينجح إلا بالكاد في منعها من السقوط، معتبرة أنه على الرغم من سلسلة عمليات عسكرية ناجحة ‏قد لا يدوم حظه إلى الأبد، وقد يدفعه الغرور بعيداً أكثر مما ينبغي‎.‎
على الرغم من صخبه، قد تكون لدى ترامب أفكار ثانية، فإصدار أمر بإرسال عسكريين أميركيين إلى القتال قرار مؤلم ‏لأي رئيس، وفتح العديد من الجبهات دون مخطط واضح لأي منها، قد يجر الولايات المتحدة إلى مغامرة أطول، قد يزيد ‏من حالة الارتباك على أنصار «أميركا أولاً» الذين باتوا أصلاً منزعجين من اندفاعه العالمي نحو القوة‎.‎
وبالطبع، قد يكون تراجعه المحتمل عن العمل العسكري في إيران خدعة، فقبل ضرب البرنامج النووي الإيراني العام ‏الماضي، أوحى بأن أمام طهران أياماً لإبرام صفقة ثم أرسل قاذفات شبح أميركية في مهمة جريئة حول العالم لاستهداف ‏مواقعها النووية‎.‎
يصعب رؤية كيف يمكن للرئيس أن يتلاعب بالأمر فالتهديدات والمخادعات والموازنة بين كل كرات السياسة الخارجية ‏لا يمكن أن تنجح إلى الأبد، وفق نظرة العالم لرئيس أميركي يزدرِي السياسة والدبلوماسية التقليدية، ويتصرف وفق ‏حدسه، يقول إنه رجل سلام ويستعرض في حديثه لرويترز كتاب ثقيل الوزن يقول إنه كتاب إنجازاته في السلام، بينما ‏تتزايد شهيته لعمل عسكري استعراضي وعنيف، سيريالية متكاملة غير واضحة المعالم أو الأبعاد ليس فيها كلمة حق ‏غير ما نطقها لسان ترامب نفسه عندما قال: إنه «عالم مجنون».‏

نيسان ـ نشر في 2026-01-15 الساعة 13:06

الكلمات الأكثر بحثاً