اتصل بنا
 

انهيار المعنى

رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

نيسان ـ نشر في 2026-01-21 الساعة 10:52

نيسان ـ مع زحام هذا العصر لم يعد الخطر في أن تخسر مالك في بورصة تتقلب وتتشقلب، بل أن يُسلب عقلك في سوقٍ كبيرة رخيصة: سوق المعنى. هناك، حيث يتدافع الجمهور بوجوه مستعارة، وأسماء نارية، وأصواتٍ ملغومة بالشتائم والهزائم، فيبيعون الوهم على أنه حكمة، والتفاهة فكر، والعدوان رأي.
صار من الطبيعي أن يطلّ عليك مؤثر (يمكن أن تقلب الثاء سيناً) لم يقرأ كتاباً في حياته، ليحدثك عن الاقتصاد العالمي، كما لو أنه خبير بورصات، وعن السياسة كصانع قرار، وعن الدين كمفتي الأمة. وكلما علا صراخه ازداد بريقه، وكلما تردت مفرداته، تضاعفت جماهيريته. صار الحق يُقاس بعدد «الإعجابات»، لا بقوة الحجة. وصار الوعي سلعة مقلدة تباع في رفوف المنصات.
هذه ليست مبالغة، بل الحقيقة تغمرنا ونعيشها: نحن أمام نسخة جديدة من القطيع، لكنهم هذه المرة لا يقفون أمام شاشات البورصة، بل أمام شاشات هواتفنا. كما انهارت السوق المالية في ثلاثينيات القرن الماضي عندما دخلت الحماسة العمياء، ها هو ينهار اليوم معنى الحوار والتفكير حين تسيطر الغوغائية على فضائنا الرقمي. الفرق أن المال يمكن أن يُعوّض، أما العقل حين يُستنزف في معارك التفاهة، فقلّما يسترد نقاءه.
الغريب أننا بتنا نضحك ونحن نُهان، ونصفق ونحن نُنهب. نحول الشتيمة إلى «ترند»، والتفاهة إلى «محتوى»، والفارغين إلى «صنّاع رأي». ومن لم يصرخ معنا، اتهمناه بالخيانة أو بالجبن أو بالتواطؤ. أية مأساة هذه التي تجعل أقصر طريق للشهرة أن تكون أكثر الناس انحطاطاً؟
فهل يكمن الحل في أن نغلق هواتفنا ونهجر هذا العالم؟ أم أن نتمسك به ونحاول إنقاذه من الداخل؟ سؤال يظل مسلطا كسيف. لكن المؤكد أن من يظن نفسه قادراً على إصلاح هذه الفوضى وحيداً، يشبه من يحاول تنظيف مجاري المدينة بيديه العاريتين.
هنا يطل سؤال أخير: هل نملك شجاعة أن ننسحب من القطيع قبل أن يدوسنا؟ أم سنبقى نضحك ونشارك حتى نصحو ذات صباح لنجد أن خسارتنا لم تكن حساباً بنكياً، بل وعياً جمعياً؟

نيسان ـ نشر في 2026-01-21 الساعة 10:52


رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

الكلمات الأكثر بحثاً