اتصل بنا
 

نبوءات ماسك بين جنة التكنولوجيا وجحيم الرأسمالية

نيسان ـ نشر في 2026-01-24 الساعة 17:45

نبوءات ماسك بين جنة التكنولوجيا وجحيم
نيسان ـ في منتدى دافوس، وأمام نخبة العولمة الاقتصادية، قدّم إيلون ماسك رؤيته لمستقبل البشرية؛ ذكاء اصطناعي يفوق الذكاء البشري خلال وقت قصير، روبوتات تتجاوز البشر عددًا، اقتصاد ينمو بمعدلات غير مسبوقة، عمل يصبح اختياريًا، وطاقة نظيفة تغمر الكوكب. إنها لوحة براقة لعصر الوفرة، حيث تختفي الندرة، ويتحرر الإنسان من شقاء العمل.
لكن السؤال الجوهري لا يكمن في إمكان تحقق هذه الرؤية تقنيًا، بل في المنظومة الاقتصادية والسياسية التي ستديرها، فهل نحن أمام قفزة إنسانية حقيقية، أم أمام إعادة إنتاج أكثر تطورًا لهيمنة رأسمالية لم تُعرف يومًا بحيادها أو عدالتها؟
يرى ماسك أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، مثل مشروعه “أوبتيموس”، ستكون مفتاحًا لتحرير البشر من الأعمال الروتينية، وأنها ستُنتج وفرة اقتصادية هائلة، غير أن هذه الرؤية، رغم تشابهها الظاهري مع بعض توقعات كارل ماركس حول تطور الإنتاجية، تنقلب جذريًا في سياقها الواقعي؛ فبدل أن تكون وسائل الإنتاج مجتمعية، تتركز اليوم في أيدي قلة من الرأسماليين الجدد الذين يحتكرون المعرفة والتكنولوجيا والقرار.
وهنا يبرز التناقض الأساسي:
هل ستقود الوفرة التكنولوجية إلى عدالة توزيعية حقيقية، أم ستُستخدم لتعميق اللامساواة؟
التاريخ الرأسمالي، منذ الثورة الصناعية، لا يمنحنا كثيرًا من التفاؤل.
في ظل هذه المنظومة، لا يعني تفوق الذكاء الاصطناعي بالضرورة تحرر الإنسان، بل قد يعني إزاحة جماعية للعمال، وتوسيع الفجوة الطبقية، وتحويل البطالة إلى حالة بنيوية دائمة، فالعمل قد يصبح “اختياريًا” نظريًا، لكنه عمليًا قد يُسحب من ملايين البشر دون بدائل تضمن الكرامة أو المعنى.
أما الحرية التي يبشر بها ماسك—حرية وقت الفراغ وممارسة الهوايات—فهي حرية شكلية إذا ما رافقها نظام مراقبة شامل تديره نخب تقنية تحت ذريعة الكفاءة والأمن، كما في مشاريع مثل “نيور الينك”. فالسيطرة على البيانات والوعي قد تكون أخطر من السيطرة على المصانع.
وفي مجال الصحة، قد تتيح الروبوتات والعلاج الذكي رعاية طبية فائقة، لكن من دون إشراف اجتماعي وضمانات أخلاقية، ستتحول هذه التقنيات إلى امتياز طبقي، يعمّق الفجوة بين نخبة “محسّنة تقنيًا” وبقية المجتمع، وكذلك التعليم، الذي قد يصبح مجانيًا ظاهريًا عبر الذكاء الاصطناعي، لكنه قد يعيد إنتاج التحيزات نفسها إن لم يخضع لرقابة مجتمعية ديمقراطية.
حتى السعادة، التي يُفترض أن تزدهر في عالم الوفرة، قد تصطدم بفقدان المعنى والاغتراب، وهو ما حذّر منه ماركس حين ربط الاغتراب ليس فقط بالعمل القسري، بل أيضًا بانفصال الإنسان عن نتاجه ودوره الاجتماعي. فالتكنولوجيا، حين تُدار استثماريًا لا إنسانيًا، لا تحرر بالضرورة، بل قد تُفرغ الحياة من غايتها.
يروج ماسك لفكرة تراجع أهمية الملكية الخاصة مع انتشار النماذج المشتركة، لكن الواقع يشير إلى العكس: تركّز متزايد للملكية في أيدي شركات عملاقة، تتولى “الرعاية الاجتماعية” بدل المجتمع، في مفارقة صارخة مع تصور ماركس للملكية الجماعية كشرط للعدالة.
إن خطورة هذه القفزة التكنولوجية لا تكمن في سرعتها فحسب، بل في غياب الغطاء الأخلاقي والفكري الذي يضمن توجيهها لصالح الإنسان، فالرأسمالية، بطبيعتها التراكمية والتنافسية، أثبتت أنها غير مؤهلة أخلاقيًا لقيادة مستقبل تتحكم فيه قوى بحجم الذكاء الاصطناعي.
ولو أن هذه التطورات جاءت في سياق تحرر اجتماعي حقيقي، وتحت سلطة مجتمعية عادلة، لكان بالإمكان تحويل الوفرة إلى مكسب إنساني شامل، يحرر الطاقات البشرية للإبداع، لا للاعتماد الكامل على الآلات.
نبوءات ماسك مثيرة بلا شك، لكنها تكشف أكثر مما تُخفي: تكشف كيف هيمنت الرأسمالية على العلم، وحرفت مسار التقدم عن طبيعته الإنسانية، وأجّلت تحقق العدالة الاجتماعية، ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا، لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية:
هل نحن مقبلون على جنة تكنولوجية، أم على جحيم رأسمالي أكثر ذكاءً؟ م.ق

نيسان ـ نشر في 2026-01-24 الساعة 17:45

الكلمات الأكثر بحثاً