اتصل بنا
 

هكذا تأكل الرأسمالية أبناءها

نيسان ـ نشر في 2026-01-28 الساعة 14:49

نيسان ـ بعد الحرب العالمية الثانية، أقام المنتصرون نظامًا دوليًا تمثّل في الأمم المتحدة والبنك الدولي، ودُعيت هذه المؤسسات وأفكارها باعتبارها ضامنةً للاستقرار ومنع تكرار مآسي الحروب العالمية، لكنها في الواقع خدمت أجندة الهيمنة أكثر مما خدمت فكرة العدالة أو الرخاء العالمي. فمنذ التأسيس عام 1945، استخدمت الدول الكبرى حقّ الفيتو نحو 300 مرة، في معظمها لحماية النفوذ والمصالح، لا لتحقيق السلم الدولي، مما جعل العالم ساحة غنائم لا ساحة يُحتكم فيها إلى نظام عادل.

في هذا السياق يكتسب خطاب رئيس وزراء كندا الأخير في دافوس دلالته، لا بوصفه حالة وعيٍ أخلاقي، بل باعتباره إعلانًا متأخرًا من داخل المعسكر الذي صاغ النظام العالمي عن انقلاب هذا النظام على أصحابه. فقد جرى انتهاك مبدأ سيادة القانون، وتحولت التجارة الدولية إلى أداة ضغط وسيفًا مسلطًا حتى على الحلفاء، فما بالك بالمنافسين وبالعالم الثالث.

ضمن هذا المسار، يبرز دونالد ترامب بوصفه تعبيرًا صريحًا عن «الهيمنة المُذعورة».

فهو لا يمثل قطيعة مع السياسة الأميركية، بل نسختها العارية حين تُنزع عنها الزينة الليبرالية. سلوكه يعكس إدراكًا أميركيًا بتهديد خارجي تقوده الصين، وتهديد داخلي يتمثل في تفكك القيم والاستقطاب الحاد، بما يقترب من حالة حرب أهلية باردة. في هذه اللحظة، تُستبدل إدارة العالم بالقانون الدولي بإدارته بالإكراه والصفقات.

ويعمل المشروع الصهيوني داخل هذه المنظومة كأداة استيطانية متقدمة، لا كحليف عادي؛ إذ تُعلّق القواعد متى اقتضت حماية التوسع والسيطرة، وتتحول فلسطين إلى نقطة الانكشاف الأكثر فجاجة لعدالة القوة: قانون مكتوب وحقوق معترف بها، لكن دون إنفاذ، لأن العدالة خاضعة لموازين القوة.

وتؤكد السياسة الأميركية تجاه إيران المنطق نفسه. فمنذ أزمة السفارة، لم يكن الخيار الأميركي ضربة حاسمة، بل خنق طويل الأمد عبر الاحتواء والعقوبات والاستنزاف. الاستئصال هو ما تميل إليه إسرائيل، بينما تفضّل الولايات المتحدة إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة ضمن منطق الهيمنة المستدامة.

العالم العربي ليس جديدًا على هذا الواقع. الجديد أن الهيمنة لم تعد قادرة على إخفاء منطقها. في هذه المرحلة، لا يكون الخيار العربي مواجهة مباشرة مع قوة مُذعورة، ولا التحول إلى أداة في مشروعها، بل بناء مقاربة واقعية تقوم على التنسيق في الغذاء والطاقة والتقنية والأمن الاقتصادي، وتقليل الارتهان الخارجي، ومنع أي قوة من امتلاك مفاتيح تعطيل القرار العربي.

خلاصة القول: تبقى قيم الحرية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير قيمًا إنسانية عامة لا يجوز إسقاطها بسبب توظيف الرأسمالية الغربية لها كغطاءٍ للهيمنة. المطلوب هو إعادة تأصيل هذه القيم عربيًا عبر سياسات تعليمية وثقافية مستقلة تفصل بين القيم وممارسات القوة. ليس من الحكمة مواجهة الهيمنة الأميركية المُذعورة، لكن من الحكمة تفادي أن نكون وقودها، وقد نجح الأردن إلى حدّ بعيد في ذلك.

التحولات الدولية الراهنة تفرض استجابةً عربيةً جماعية لا فردية، تقوم على تغليب المصالح العليا وبناء تنسيقٍ عملي في الملفات السيادية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، حان الوقت لمبادرةٍ سياسية تنطلق من إدراكٍ مبكر لخطرٍ مشترك يطال الجميع، مع اختلافٍ في التوقيت لا في الجوهر. ومن هنا يمكن لمبادرةٍ أردنية أن تُشكّل نقطة انطلاقٍ واقعية لتحريك مسارٍ عربيٍّ جماعيٍّ وقائي، يهدف إلى تقليل الارتهان الخارجي وحماية القرار العربي قبل تحوّل التهديدات إلى أزماتٍ شاملة.

نيسان ـ نشر في 2026-01-28 الساعة 14:49


رأي: سائد كراجة

الكلمات الأكثر بحثاً