اتصل بنا
 

الذهب.. وصعود عدم اليقين

نيسان ـ نشر في 2026-01-29 الساعة 08:51

نيسان ـ تجاوز سعر اونصة الذهب 5300 دولار، يعبر عن تحول استراتيجي، بدأ منذ ارتبط الدولار بالذهب بسعر ثابت 20.67 دولار للاونصة قبل الحرب العالمية الثانية، وعند 35 دولارا بموجب بريتون وودز عام 1944 على وقع تلك الحرب.
بريتون وودز، وفرت استقرارا نقديا مرحليا لكنها لم تواكب زيادة الانفاق الاميركي الذي استدعى دولارات اكثرمن احتياطي الذهب، ليعلن الرئيس نيكسون-صدمة نيكسون- في 1971، فك الارتباط بين الدولار والذهب،ناقلا اياه من التسعير السياسي الى السوقي.
التسعيرالسوقي، رفع السعره من 35 دولارا مطلع السبعينيات الى نحو 850 دولارا في الثمانينيات، قبل دخوله في فترات تصحيح طويلة وصولا الى قفزته التاريخية فوق 2000 دولار بعد كورونا؛ واندفاعه الحالي الى ما فوق5300 دولار، ليرتفع سعره ومنذ فك ارتباطه بالدولار بما يزيد على 150 مرة.
هنا يلعب ما يسمى بالذهب الورقي- اداة مالية تمنح المستثمر تعرضا لسعر الذهب من دون امتلاكه فعليا عبر المشتقات المالية كالعقود الاجلة والخيارات وصناديق المؤشرات المتداولة حيث يملك المستثمر حقا ماليا مرتبطا بالسعر لا سبائك ملموسة- دورا مهما في تسعير الذهب، حيث تشير التقديرات السوق الى ان الذهب الورقي المتداول في اسواق العقود الآجلة والمشتقات وصناديق الذهب الورقية، يصل الى اكثر من 100 مرة حجم الذهب المادي الفعلي.
هذه الادوات، تلعب، دورا محوريا في هذا التسعيرمن خلال العقود الاجلة، التي تحدد السعر المستقبلي للذهب، ومن خلال الخيارات، التي تمنح حق الشراء او البيع دون الزام، ومعظم هذه العقود تسوى نقدا لا بتسليم فعلي للذهب، ما يعني ان السعر اليومي للذهب يتشكل في اسواق العقود لا في سوق السبائك الفعلية.
والالية بسيطة، فطالما يثق المستثمرون بان التسوية النقدية تعادل الذهب الحقيقي يبقى السعر مضبوطا، حيث تكبح مراكز البيع الورقية الكبيرة الصعود او تؤخر انعكاس الطلب المادي الحقيقي على السعر.
لكن عند اهتزاز الثقة، ومطالبة المستثمرين/ البنوك بالتسليم الفعلي، يتحول الضغط فجأة الى السوق الحقيقي ليحدث ما يشبه اعادة تسعير سريعة يرافقها قفزات حادة، كما شهد العالم في دورات تاريخية سابقة.
هذا الامر، يفسر الى حد كبير، لماذا لم يكن صعود الذهب في 2025 و2026، مجرد موجة مضاربية قصيرة بل نتيجة تراكم طويل لعدة روافع تداخلت في وقت واحد، عدم اليقين في كل الاتجاهات، مخاوف فقاعة المديونية العالمية البالغة 346 ترليون دولار، مخاوف فقاعة الذكاء الاصطناعي، توقعات انخفاض اسعار الفائدة، حروب ترامب من اجل» السلام»، ما اضعف الثقة الاقتصادية، ورفع الطلب على اصول نادرة على راسها الذهب.
في هذا المشهد، نقف جميعا امام اغراء السعر المرتفع وخطر مطاردته في الوقت نفسه، حيث ضرورة فهم وظيفة الذهب، وبانه ليس سهما للنمو بل اداة لادارة المخاطر والتحوط، لان عكس هذه الوظيفة سترتب خسائر مشابهة لعكس وظيفة الشيكات المصرفية من اداة وفاء الى اداة ائتمان، ما اوجد مشكلة الشيكات المرتجعة، مع اهمية ادراك ان الذهب قد يرتفع بقوة في فترات القلق، ثم يهدأ/ يصحح عندما انتقال السيولة الى اصول اخرى، دون ان يغير ذلك دوره لكنه يؤكد طبيعته الدورية.
لذلك، من المهم تحديد الهدف من مطارة الذهب: للاستثمار، لحفظ القيمة، لتنويع المحفظة الاستثمارية، للتحوط، للحفاظ على القوة الشرائية، لان لكل حالة تعاملا مختلفا، مع اهمية ان يكون قرار البيع/ الشراء منهجيا لا عاطفيا، وتوزيع الشراءعند المستويات السعرية المرتفعة، وعدم الاندفاع للبيع الكامل عند الانخفاض.
في عالم، تتفكك فيه مسلمات النظام النقدي والسياسي التقليدي، يبقى الذهب مرآة للخوف والثقة معا، لا لانه يدر عائدا بل لانه يحتفظ بالقيمة عندما تهتز القيم الاخرى، وهو ما يجسده في عام 2026،حيث لم يعد السؤال هل ما زال هناك فرصة في الذهب، بل كيف يمكن الاستفادة منه دون الوقوع في فخ المضاربة قصيرة النفس، فالصعود التاريخي يفتح نافذة، لكنه لا يلغي المخاطر.

نيسان ـ نشر في 2026-01-29 الساعة 08:51


رأي: حسام عايش

الكلمات الأكثر بحثاً