تفكيك أسطورة أم كلثوم
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-01-29 الساعة 08:53
نيسان ـ فيلم «الست» لا يعامل أم كلثوم كقيمة مكتملة، بل ككائن تاريخي تشكّل تحت ضغط دائم. هذه ليست سيرة صوت، إنما سيرة تشكل. السينما هنا لا تلاحق الأغاني، بل تلاحق ما قبلها وما بعدها. اللحظة التي يختفي فيها التصفيق، وتبقى المرأة وحدها أمام مرآتها، وأمام خوفها المزمن من أن يسقط كل شيء دفعة واحدة.
منذ اختياره البناء الدائري، يعلن الفيلم انحيازه إلى الذاكرة بوصفها ساحة صراع لا مستودع حنين. حفلة مسرح الأولمبيا في باريس بعد نكسة حزيران ليست افتتاحا احتفاليا، بل لحظة توتر قصوى. صوت يواجه تاريخا مختلا، وجمهورا يبحث عن معنى لا عن طرب. أم كلثوم هنا ليست مطربة، بل حامل ذاكرة جمعية، وكل نشاز محتمل يتحول إلى خطر وجودي.
حين يعود الفيلم إلى الطفولة، لا يعود ليبرر العظمة، بل ليكشف أصل الصلابة. الطفلة التي ارتدت زي صبي، لم تكن تبحث عن حرية، بل عن نجاة. القرية ليست مشهدا رومانسيا، بل بيئة قاسية علمتها أن الصوت وحده لا يكفي، وأن السيطرة شرط البقاء. حفظ القرآن لا يقدم كمنقبة، بل كأداة ضبط صارمة للغة والنَفَس والمعنى، كأنه تدريب مبكر على السلطة عبر الإتقان.
السرد غير الخطي لا يعكس حداثة شكلية، بل اضطرابا داخليا. الزمن في حياة أم كلثوم لم يكن متتابعا، بل متراكما. الأبيض والأسود يظهر حين تضيق الذاكرة، وحين يعود الخوف في صورته الأولى. أما الألوان، فلا تحتفي بالنجاح بقدر ما تكشف ثمنه. كل صعود يقابله اتساع في العزلة، وكل انتصار يترك فراغا لا يملؤه التصفيق.
الفيلم لا يخشى الاقتراب من السمات التي صنعت الجدل. المال، العصبية، الحدة، كلها لا تقدم بوصفها عيوبا، بل بوصفها أعراضا. امرأة بنت مشروعها في عالم لا يمنح النساء حق الخطأ، فصارت أكثر قسوة مما يجب، وأكثر يقظة مما تحتمل. السلطة التي مارستها لم تكن ترفا، بل آلية دفاع متقدمة ضد الفقد.
في أكثر مشاهده كثافة، يضعنا الفيلم أمام أم كلثوم خارج الأداء. امرأة صامتة، وحيدة، محاطة بأشيائها، لا بجمهورها. هنا تتكشف المفارقة الكبرى. المجد لم يمنح الطمأنينة، بل راكم الخوف من الزوال. الصوت الذي ملأ الدنيا، لم يملأ الفراغ الداخلي.
أداء منى زكي لا يستدر التعاطف، بل يطلب الانتباه. لا تحاكي، بل تحفر. تدخل إلى مناطق القلق، وتترك الجسد في الخلفية. أما الموسيقى، فهي ليست تزيينا، بل بنية موازية، تتقدم حين يتراجع الكلام، وتفضح ما يعجز النص عن قوله.
هذا الفيلم لم يسع إلى الإجماع. قوته في أنه يزعج، ويخلخل، ويعيد طرح السؤال القديم بشكل جديد. ماذا يحدث حين ننزع القداسة عن الرمز، فلا يتهاوى، بل يصير أكثر حضورا. ما نراه في النهاية ليس سقوط الأسطورة، بل ولادة فهم أعمق لها. أم كلثوم كما لم نرها من قبل. لا أعلى. بل أقرب.
منذ اختياره البناء الدائري، يعلن الفيلم انحيازه إلى الذاكرة بوصفها ساحة صراع لا مستودع حنين. حفلة مسرح الأولمبيا في باريس بعد نكسة حزيران ليست افتتاحا احتفاليا، بل لحظة توتر قصوى. صوت يواجه تاريخا مختلا، وجمهورا يبحث عن معنى لا عن طرب. أم كلثوم هنا ليست مطربة، بل حامل ذاكرة جمعية، وكل نشاز محتمل يتحول إلى خطر وجودي.
حين يعود الفيلم إلى الطفولة، لا يعود ليبرر العظمة، بل ليكشف أصل الصلابة. الطفلة التي ارتدت زي صبي، لم تكن تبحث عن حرية، بل عن نجاة. القرية ليست مشهدا رومانسيا، بل بيئة قاسية علمتها أن الصوت وحده لا يكفي، وأن السيطرة شرط البقاء. حفظ القرآن لا يقدم كمنقبة، بل كأداة ضبط صارمة للغة والنَفَس والمعنى، كأنه تدريب مبكر على السلطة عبر الإتقان.
السرد غير الخطي لا يعكس حداثة شكلية، بل اضطرابا داخليا. الزمن في حياة أم كلثوم لم يكن متتابعا، بل متراكما. الأبيض والأسود يظهر حين تضيق الذاكرة، وحين يعود الخوف في صورته الأولى. أما الألوان، فلا تحتفي بالنجاح بقدر ما تكشف ثمنه. كل صعود يقابله اتساع في العزلة، وكل انتصار يترك فراغا لا يملؤه التصفيق.
الفيلم لا يخشى الاقتراب من السمات التي صنعت الجدل. المال، العصبية، الحدة، كلها لا تقدم بوصفها عيوبا، بل بوصفها أعراضا. امرأة بنت مشروعها في عالم لا يمنح النساء حق الخطأ، فصارت أكثر قسوة مما يجب، وأكثر يقظة مما تحتمل. السلطة التي مارستها لم تكن ترفا، بل آلية دفاع متقدمة ضد الفقد.
في أكثر مشاهده كثافة، يضعنا الفيلم أمام أم كلثوم خارج الأداء. امرأة صامتة، وحيدة، محاطة بأشيائها، لا بجمهورها. هنا تتكشف المفارقة الكبرى. المجد لم يمنح الطمأنينة، بل راكم الخوف من الزوال. الصوت الذي ملأ الدنيا، لم يملأ الفراغ الداخلي.
أداء منى زكي لا يستدر التعاطف، بل يطلب الانتباه. لا تحاكي، بل تحفر. تدخل إلى مناطق القلق، وتترك الجسد في الخلفية. أما الموسيقى، فهي ليست تزيينا، بل بنية موازية، تتقدم حين يتراجع الكلام، وتفضح ما يعجز النص عن قوله.
هذا الفيلم لم يسع إلى الإجماع. قوته في أنه يزعج، ويخلخل، ويعيد طرح السؤال القديم بشكل جديد. ماذا يحدث حين ننزع القداسة عن الرمز، فلا يتهاوى، بل يصير أكثر حضورا. ما نراه في النهاية ليس سقوط الأسطورة، بل ولادة فهم أعمق لها. أم كلثوم كما لم نرها من قبل. لا أعلى. بل أقرب.
نيسان ـ نشر في 2026-01-29 الساعة 08:53
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


