اتصل بنا
 

هل هناك أي أمل لإنقاذ النظام الدولي القائم على القواعد؟

نيسان ـ نشر في 2026-01-31 الساعة 12:39

هل هناك أي أمل لإنقاذ النظام
نيسان ـ باتت الفجوة التي أحدثتها الولايات المتحدة في الحوكمة العالمية واضحة للعيان، ما يطرح سؤالاً جيوسياسياً محورياً في عصرنا: هل يمكن إنقاذ نسخة ما من نظام دولي قائم على القواعد لبقية العالم؟ في بعض المجالات على الأقل، ثمة ما يدعو للأمل، شريطة أن تضطلع قوى أخرى، على رأسها أوروبا، بهذه المهمة.
ولعل أكثر هذه المجالات وضوحاً هي التجارة، حيث يتم الآن بذل معظم الجهود. فقد اتفقت بروكسل ونيودلهي منذ أيام على اتفاقية تجارية طال انتظارها بين الاتحاد الأوروبي والهند، وُصفت بأنها الأكبر على الإطلاق بين الطرفين. وجاء ذلك عقب اتفاق نهائي على اتفاقية ضخمة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور، التي استغرق إعدادها ربع قرن.
وتغطي هاتان الاتفاقيتان معاً التجارة بين أكثر من ربع سكان العالم. كما التقى رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، الأسبوع الماضي، الرئيس الصيني شي جين بينغ، بعد لقاء مماثل مع رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في محاولة منهما لبناء شراكات لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين بلديهما والصين.
ويمكن لهذه الاتفاقيات أن تسهم في التخفيف من العوائق الجديدة أمام التجارة مع الولايات المتحدة. وهناك اهتمام واسع النطاق بتعزيز التكامل التجاري، بما في ذلك التعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول الموقعة على الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ.
ومن المأمول أن تسهم هذه الترتيبات في بناء الثقة اللازمة لتعاون أعمق في مجالات تتجاوز التجارة، إلا أنها لا تشكل نظاماً بديلاً كاملاً، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي يعاني من انقسام بين توجهات مختلفة.
وبدا ذلك جلياً في حرص برلمانه على أن يطبق اتفاق ميركوسور بشكل مؤقت فقط، وذلك من خلال تكتيك المماطلة المتمثل في عرضه للمراجعة القضائية.
كذلك، فقد طرحت المفوضية الأوروبية فكرة التخلي عن مبدأ «الدولة الأكثر رعاية»، هذا الأساس الذي بُني عليه النظام التجاري لما بعد الحرب العالمية الثانية يعني أن الدول تمنح معاملة متساوية لجميع الدول التي لا تربطها بها معاهدات تجارية شاملة، ما يستبعد استخدام التهديدات بفرض تعريفات جمركية ظرفية لتحقيق مطالب سياسية لا صلة لها بالموضوع، وهو ما استمتعت به إدارة ترامب الثانية. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي التحرر من قواعد التجارة، فهذا ينذر بالسوء لمدى قدرته على قيادة نظام تجاري منظم.
علاوة على ذلك، فإن الحفاظ على العلاقات القائمة على القواعد يتطلب جهوداً في مجالات خارج نطاق التجارة. ويركز جدول أعمال مجموعة الدول السبع الكبرى لهذا العام، برئاسة فرنسا، على اختلالات الاقتصاد الكلي العالمي.
والنية الضمنية هي تشكيل جبهة موحدة ضد فوائض الصين، لكن إجبار بكين على تغيير سياستها ليس بالأمر الهين، وعلى أي حال، فإن الاتحاد الأوروبي أيضاً يحقق فوائض خارجية كبيرة.
وتبدو الولايات المتحدة مصممة على ألا تكون الملاذ الأخير للاقتراض في العالم، لكن نجاحها غير وارد ما لم تعدل أوروبا أيضاً مدخراتها وموازين استثماراتها، وهو ما لا تستطيع السياسة التجارية وحدها تحقيقه.
والمفارقة أن الاتحاد الأوروبي نفسه يرغب في زيادة استثماراته المحلية، وبالفعل فإنه من خلال قدر من الجرأة السياسية أكبر مما هو عليه الآن يمكن للتكتل من خلال إصلاح نموذج فائضه أن يصبح ركيزة للاقتصاد العالمي، وأن يرفع إنتاجيته في الوقت نفسه.
وإلى جانب التجارة وتدفقات رأس المال، ثمة قضايا أخرى عديدة سعت الحوكمة العالمية، على اختلافها، إلى معالجتها: تغير المناخ، وإدارة الأمراض، والتنمية.
وفي كل هذه القضايا، يمكن إنقاذ الكثير بالفعل حتى في ظل غياب الولايات المتحدة من خلال «تحالفات الراغبين» - لكن النجاح غالباً ما يعتمد على قدرة أوروبا والصين على العمل معاً.
ولا يعد استعداد بكين للعب دور أكثر مرونة في الاقتصاد العالمي أمراً مضموناً، لذلك سيقع العبء الأكبر على عاتق الاتحاد الأوروبي، إما من خلال الضغط على الصين لتكون شريكاً فاعلاً، أو في حال فشل ذلك، أخذ زمام المبادرة بمفرده.

نيسان ـ نشر في 2026-01-31 الساعة 12:39

الكلمات الأكثر بحثاً