اتصل بنا
 

الإبستينيون يقودون “العالم الحر”

كاتب وصحفي اردني

نيسان ـ نشر في 2026-02-03 الساعة 08:18

نيسان ـ ليس من دليل أقوى اليوم على حاجة العالم الغربي الملحة إلى الإسلام من “ملفات إبستين” المنشورة مؤخرًا.
ذلك أن “ملفات إبستين” تمثل نموذجًا حيًّا على انهيار الإنسان الغربي ككل بسبب الصفر الديني، قبل أن تكون محض فجورات فردانية لنخب سياسية تمثل نفسها وحسب، فضلًا عن مشاهير ورجال أعمال حَرَّكهم انمساخٌ فسيولوجيٌّ في الجهاز العصبي المركزي (الساديَّة، البيدوفيليا، التغوطية ..).
فـ”ملفات إبستين” إذًا امتداد جماعي للأمة الغربية بأسرها؛ إذ تشترك مع أصحاب إبستين -سيئي الذكر- في مبدأ الفوضى الغزائزية العامة، مع فارق أن النكير على “الشخصية العامة” فيهم يصل إلى حد أن يُهدَّد مستقبله السياسي أو الفني أو الوظيفي أو التجاري؛ ما يعني أن ماهية الأخلاق عندهم ترتبط بموقع الفاعل، لا الفعل ذاته!
فكيف تكيفت فِطَر الشعوب الغربية مع هذا العِوَج الواضح الذي تأنفه الفطرة عامَّة؟
مسخ الفطرة وسلخ الدين
إن الإنسان الغربي أُعيدت صياغته الفطرية على جهة ما سُمي “القيم الغربية” التي لا تعدو أن تكون “أخلاقًا قومية عَدائية” -حسب توصيف برتراند رسل في “المجتمع الإنساني في الأخلاق والسياسة”- ضد الآخر الحضاري (يدخل فيه المسلمون وغيرهم من غير العرق الأبيض النقي) وفق قانون هيمنة التفوق العرقي.
إن هيمنة التفوق العرقي صادرة عن أنانية جغرافية، وعصبية وطنية ترى نفسها الأحق باحتكار هندسة العالم، وإملاء مفاهيمه: القِيَمية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والدينية، والدولية، والثقافية، والوطنية.
فإذا أضفنا إلى هذا كله القطيعة الكلية مع الدين كمرجعية في تنظيم هذا العالم، كان المآل يؤدي إلى تكيف نفسي بمثل هذا التشوه الذي نراه أفرادًا ومجتمعًا، شخصيات عامة وخاصة.
قيم اللذة والمنفعة بديلًا عن الدين
وعلى ضوء بِضاعة القيم تلك، الماسخة للفطرة الغربية، جيلًا بعد جيل على فترة من الزمان، أُعيد تعريف الزنى ثقافيًّا، أو “القِرَان العام” -كما سمَّاه شيخ الدولة العثمانية مصطفى صبري في “قولي في المرأة”- إلى: الحرية الجنسية والمساكنة، وصار الزاني والزانية يسمى شريكًا وشريكةً له (الشركاء)، واللواط غدا مثليةً، والشذوذ حريةً جنسيةً، وممثلة الأفلام المنحلة: فنانةً ومؤثرةً، ودخول الفتاة المراهِقة في علاقة جنسية بات تعبيرًا عن عقليةً منفتحةً (open mind) وضِدها: الفتاة المعقدة، والتعري من الملابس: حريةً شخصية، وحرق القرآن الكريم والرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم: حريةَ تعبير، وسبَّ الإسلام حصرًا في إعلامهم: حريةً ثقافيةً، والمومسة: بائعة هوى، واحتلال الدول: تحريرًا، واستعمارَ الشعوب: نشرًا للديمقراطية، ونهبَ ثروات الدول: استثمارًا واتفاقيات اقتصادية، وتعدد الزوجات: شهوانية، والحجاب: تهديدًا لعلمانية الدولة ..إلخ.
فالقيم الغربية التي جاءت بديلًا عن قوانين الدين، تنفصل في جوهرها عن الأخلاق الفطرية؛ لأن قيم العالم الحر -كما سماه أهلُه- ستار خادع لــــ: “اللذة” و”المنفعة” التي تَحكم حياة الإنسان الغربي في معاشه ومعاملاته على أنقاض بنيان المسيحية، المقصورة على مَن في داخل الكنيسة يوم الأحد ليس غير.
الإسلام: الهيمنة المُصحِّحة
ولَـمَّا كان تنظيم العالم، وتنظيف أَوْحَاله، ومنع إفسادات أفراده، جوهر عمل الإسلام، ولَـمَّا كان “القرآن حاملَ الرؤية الكلية للعالم، واستوعب ميراث النبوة بمنطق الهيمنة المُصحِّحة” -بحسب د. عبد الله محمد الأمين في “الرؤية الإسلامية والمسألة الحضارية”- للفطر الـمُشوَّهة، كان محل محاربة الغرب له؛ لكونه تهديدًا وجوديًّا يستهدف “الهيمنة المادية” للقيم الغربية: اللذة المنفلتة، والمنفعة السُّوقية، و”حضارة اللامعنى” –على حد تسمية عطا زهرة في “تكامل الحضارات”- وحضارة قيم السوق.
ومن أجل أن يَصد المد الإسلامي عن شواطئه، احتال الغرب للأمر بالغزو الثقافي عبر غسل مخ الأجيال الإسلامية، ليعيد تشكيل نظام الوعي الأخلاقي لها، ويُعيد ضبط تصورات الأجيال للوجود والعالم والإنسان.
إنها أشبه بحرب صامتة بلا ضجيج لنزع قدسية الحاكمية الأخلاقية من اعتقاد المسلم، المستمدة من ذاتية الإسلام، لا من ذاتية الأفراد المسلمة، واجتهاداتهم الخالصة.
الصلاة: تنظيم للعالم
إن أوضح برمجة للإنسان في الإسلام تتجلى في الصلاة؛ فـ”الصلاة انعكاس للطريقة التي يريد بها الإسلام تنظيم العالم” –كما رآها علي عزت بيغوفيتش في “الإسلام بين الشرق والغرب”- عبر الاستسلام التام لله، والانقياد له وحده، والاصطفاف في صف مرصوص واحد مع جماعة المؤمنين كلهم، بغنيهم وفقيرهم، عزيزهم وذليلهم، حاكمهم ومحكومهم، في أخوة كونية تتخذ “المؤاخاة” في الدِّين عَقْدًا اجتماعيًّا لها، بدلًا من العَقْد الاجتماعي المُعَلمن على مذهب كانط: “المواطنة” حيث البقاء للأقوى والأجدر والأثرى فقط.

نيسان ـ نشر في 2026-02-03 الساعة 08:18


رأي: عبد الرحمن نجم كاتب وصحفي اردني

الكلمات الأكثر بحثاً