السردية تكتب عن حمار النوّر
نيسان ـ نشر في 2026-02-11 الساعة 12:51
نيسان ـ نظرت من النافذة أستطلع الطقس، فرأيت الثلج يندف متراكمًا كأكوام قطن في باحة الفندق. غمرتني سعادة كبيرة بقدر كرهي للاستيقاظ والخروج باكرا من البيت. عدت وغطست تحت اللحاف الوثير، إذًا لن يأتوا ليجرّونا إلى حضور الندوة في الجامعة، فالقوم لا شك قد قفلوا أبواب بيوتهم ومؤسساتهم ودوائرهم الرسمية، وسيقضون يومهم أمام مواقد النار.
تقلبت يمنة ويسرة أفكر: ترى ماذا يطبخون في يوم مثلج عاصف كهذا؟! بالتأكيد لديهم بديل موازٍ لـ"الرشوف المطهي بالجميد المِحوَّل"، والذي نعتبره الوصفة الضرورية الناجعة لتدفئة الجسد حتى يتصبب العرق من جبين المرء وهو يلقم الخبز المفتوت به، والمسقى بالسمن البلدي أيضا.
فكرت أن أقوم وأطرق باب إحدى الصديقات في الفريق، وأتناول فنجان قهوة معها في هذا اليوم السعيد، حيث لا تنقلات، ولا قضاء وقت لصبغ وجوهنا بالزينة، ولا سماعات ترجمة تنقل لنا هربدات مفاهيم الديمقراطية وحقوق المرأة والشفافية والحوكمة، وكل مصطلحات الإدارة السطحية التي ما زالت تتردد في أروقة العالم "الأبستيني" حتى اللحظة.
عدلت عن النهوض من سريري وبدأت "أنوّد" على رائحة الدفء. لحظات، وكانت جلبة وطرق على باب غرفتي. فتحت، فإذا بثلاث من الرفيقات مع مترجمة والمسؤولة الأمريكية، يسألنني ما إذا كنت بخير ولا أشكو من شيء.
لا شيء. لقد رأيت زخم الثلج والجو البارد جدا، فتوقعت اليوم عطلة، فنحن في بلادنا، وبدون انتظار إعلان رسمي، نعتبر أننا في عطلة مفتوحة حتى تخد العاصفة ...
تبسمت المسؤولة: هذا عندكم، وليس عندنا. جررت حالي وركبت الباص مع الفريق صوب جامعة "مونتانا". الممرات مفتوحة، والثلج موزع على أطرافها، والطلاب في حركة دؤوبة؛ بعضهم يحمل كتبا في يد، وفي الأخرى كأس قهوة يتصاعد منها البخار... يتبادلون الأحاديث في الردهات. أتنقل ببصري بين هيئاتهم المتوثبة، الملفوفة بالطواقي واللفحات الصوفية.
هكذا إذن، لا عطلة، ولا رشوف، ولا كستناء، ولا بطاطا مشوية، ولا كسل تتبعه "مناقرة" شبه لطيفة بين أفراد العائلة، ولا البحث عن المتهم بإطفاء كبسة الكيزر.
هذه الصورة أعلاه عادت إلى ذاكرتي أثناء متابعتي لبرنامج تلفزيوني يتناقش فيه "المحضرون" حول نية الحكومة إقرار عطلة ثلاثة أيام، في وقت يراه "المقرّرون" قريبا، وكنا نراه بعيدًا.
لم أركز كثيرا على جدوى الفائدة من هذا الجدل بين أصحاب "الحجتين"، إذ رغما عني تتداعى الذكريات، ومنها الصخب الذي دار يوم قرر بعض أصحاب الأعمال الخاصة الاستجابة للإضراب العالمي في العام الفائت تضامنا مع غزة. شعرت يومها أنني بين موقفين يتنازعانني: كيف نضرب فنضرّ بالاقتصاد الوطني؟ وكيف نعبر عن تعاطفنا وتضامننا ضد الإبادة، ولو بأقل المواقف، في الوقت نفسه؟
تذكرت أيضًا عدد العطل والتعطيل في الأفراح والأتراح، الوطنية والشخصية، وزخات المطر وهبوب الريح، وجملة قرأتها لابن رشد قال فيها: "ما تركتُ العلم إلا يومين: يوم زواجي ويوم وفاة والدي".
أدرت التلفزيون إلى محطة "نايل سينما"، وصوت جدتي، رحمها الله، يجبرني على الابتسام عندما كنت أتحجج بالرشح كي لا أذهب إلى المدرسة، فتنهرني كي أحمل حقيبتي وأنصرف، مرددة: " قومي بلا كذب.. أنتِ مثل حمار النوّر... يتمنى العطال من الله".
مرحى للعطلة، والمجد للبيجاما، والكُشّة المنكوشة، والأيام الفرفوشة... وبصوت "غليص" :علم يصل ابن رشد ولا يقصر دونه.. زماننا غير زمانك.
تقلبت يمنة ويسرة أفكر: ترى ماذا يطبخون في يوم مثلج عاصف كهذا؟! بالتأكيد لديهم بديل موازٍ لـ"الرشوف المطهي بالجميد المِحوَّل"، والذي نعتبره الوصفة الضرورية الناجعة لتدفئة الجسد حتى يتصبب العرق من جبين المرء وهو يلقم الخبز المفتوت به، والمسقى بالسمن البلدي أيضا.
فكرت أن أقوم وأطرق باب إحدى الصديقات في الفريق، وأتناول فنجان قهوة معها في هذا اليوم السعيد، حيث لا تنقلات، ولا قضاء وقت لصبغ وجوهنا بالزينة، ولا سماعات ترجمة تنقل لنا هربدات مفاهيم الديمقراطية وحقوق المرأة والشفافية والحوكمة، وكل مصطلحات الإدارة السطحية التي ما زالت تتردد في أروقة العالم "الأبستيني" حتى اللحظة.
عدلت عن النهوض من سريري وبدأت "أنوّد" على رائحة الدفء. لحظات، وكانت جلبة وطرق على باب غرفتي. فتحت، فإذا بثلاث من الرفيقات مع مترجمة والمسؤولة الأمريكية، يسألنني ما إذا كنت بخير ولا أشكو من شيء.
لا شيء. لقد رأيت زخم الثلج والجو البارد جدا، فتوقعت اليوم عطلة، فنحن في بلادنا، وبدون انتظار إعلان رسمي، نعتبر أننا في عطلة مفتوحة حتى تخد العاصفة ...
تبسمت المسؤولة: هذا عندكم، وليس عندنا. جررت حالي وركبت الباص مع الفريق صوب جامعة "مونتانا". الممرات مفتوحة، والثلج موزع على أطرافها، والطلاب في حركة دؤوبة؛ بعضهم يحمل كتبا في يد، وفي الأخرى كأس قهوة يتصاعد منها البخار... يتبادلون الأحاديث في الردهات. أتنقل ببصري بين هيئاتهم المتوثبة، الملفوفة بالطواقي واللفحات الصوفية.
هكذا إذن، لا عطلة، ولا رشوف، ولا كستناء، ولا بطاطا مشوية، ولا كسل تتبعه "مناقرة" شبه لطيفة بين أفراد العائلة، ولا البحث عن المتهم بإطفاء كبسة الكيزر.
هذه الصورة أعلاه عادت إلى ذاكرتي أثناء متابعتي لبرنامج تلفزيوني يتناقش فيه "المحضرون" حول نية الحكومة إقرار عطلة ثلاثة أيام، في وقت يراه "المقرّرون" قريبا، وكنا نراه بعيدًا.
لم أركز كثيرا على جدوى الفائدة من هذا الجدل بين أصحاب "الحجتين"، إذ رغما عني تتداعى الذكريات، ومنها الصخب الذي دار يوم قرر بعض أصحاب الأعمال الخاصة الاستجابة للإضراب العالمي في العام الفائت تضامنا مع غزة. شعرت يومها أنني بين موقفين يتنازعانني: كيف نضرب فنضرّ بالاقتصاد الوطني؟ وكيف نعبر عن تعاطفنا وتضامننا ضد الإبادة، ولو بأقل المواقف، في الوقت نفسه؟
تذكرت أيضًا عدد العطل والتعطيل في الأفراح والأتراح، الوطنية والشخصية، وزخات المطر وهبوب الريح، وجملة قرأتها لابن رشد قال فيها: "ما تركتُ العلم إلا يومين: يوم زواجي ويوم وفاة والدي".
أدرت التلفزيون إلى محطة "نايل سينما"، وصوت جدتي، رحمها الله، يجبرني على الابتسام عندما كنت أتحجج بالرشح كي لا أذهب إلى المدرسة، فتنهرني كي أحمل حقيبتي وأنصرف، مرددة: " قومي بلا كذب.. أنتِ مثل حمار النوّر... يتمنى العطال من الله".
مرحى للعطلة، والمجد للبيجاما، والكُشّة المنكوشة، والأيام الفرفوشة... وبصوت "غليص" :علم يصل ابن رشد ولا يقصر دونه.. زماننا غير زمانك.
نيسان ـ نشر في 2026-02-11 الساعة 12:51
رأي: ميسر السردية


