'بيت الحسّ': حين يصبح الجسد سراً عائلياً يُدفن همساً
نيسان ـ القدس العربي ـ نشر في 2026-02-17 الساعة 09:34
نيسان ـ في فيلمها الجديد «بيت الحس»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين (12 إلى 22 فبراير/شباط الجاري) تعود المخرجة التونسية ليلى بوزيد إلى أسئلتها المفضّلة حول الجسد، والهوية، والعائلة، ولكن هذه المرة عبر بنية أقرب إلى اللغز الهادئ منه إلى الدراما الصاخبة.
يبدأ الفيلم من موتٍ غامض، لكنه لا يسعى حقاً إلى كشف ملابساته، بقدر ما يغوص في طبقات الصمت التي تراكمت حول حياة كاملة عاشت في الظل، وكأن الحقيقة ليست حدثاً يجب الوصول إليه، بل جرح جماعي لم يلتئم قط.
تصل ليليا المهندسة المقيمة في باريس، إلى مدينتها الساحلية سوسة لحضور جنازة خالها دالي، الذي عُثر عليه ميتا في الشارع في ظروف ملتبسة. ترافقها حبيبتها الفرنسية أليس، لكنها تتركها في فندق قريب، محافظةً على السر الذي اعتادت إخفاءه كلما عادت إلى بيت العائلة. هناك، في المنزل العائلي العتيق تحكم الجدة نفيسة المكان بسلطة صارمة، وتتحرك الابنتان حياة ووحيدة، والدة ليليا وخالتها، في أجواء من الحزن والإنكار، بينما يُدفن الابن الأصغر بسرعة، وكأن العائلة تريد دفنه مرتين: مرة في التراب، ومرة في الذاكرة. تريد العائلة أن تخفي سريعاً ملابسات موته، بل أن تخفي حياته التي انقضت بأسرها.
منذ المشاهد الأولى، تولي بوزيد اهتماماً بالغاً بطقوس الموت الإسلامية: غسل الجسد والكفن الأبيض، تلاوة القرآن، ونظرات الوداع، واستقبال المعزّين، لكنها لا تقدمها بوصفها شعائر دينية فحسب، بل كفضاء كثيف للصمت، حيث يُدار كل شيء من دون أن يُقال شيء. التركيز على طقوس تكريم جسد الميت يعطينا إحساسا ملتبساً، فربما وفقاً للدين الرسمي وللمجتمع المحافظ، ليس هذا الجسد جديراً بهذه المراسم، ولكن نظرة المخرجة توضح أن هذا الجسد جدير بالتكريم رغم اختلاف ميوله. سرعان ما يتضح أن العار الذي يخيّم على البيت، ليس بسبب الموت نفسه، بل بسبب حياة دالي المثلية، التي ظلّت العائلة تعرفها كسر عائلي دفين وتخفيها بشتى السبل علناً.
الفيلم، ظاهريا، تحقيق في كيفية وفاة دالي، لكنه في العمق تشريح لعائلة تعلّمت أن تحب بصمت، وتدين الاختلاف بصمت، وتكذب بصمت. كل شخصية تحمل روايتها الخاصة عن الرجل الراحل: حياة ترى أنها دعمته عبر رعايته اليومية، ووحيدة تعتبر نفسها أكثر رحمة لأنها شجعته على أن يعيش كما هو، فيما ترفض الجدة الاعتراف بحقيقته أصلاً، مكتفية بالحزن ومحاولة الإخفاء ومحو ماضي ابنها وميوله. وبين هذه السرديات المتناقضة، تحاول ليليا أن تجمع صورة رجل لم تعرفه حقاً. رحلتها لمعرفة خالها وفهمه، وتماهيها معه حال عادت إلى تونس، وقررت الكشف عن ميولها المثلية، تقودها إلى العالم الخفي للمثليين في سوسة: أصدقاء، عشّاقا سابقين، رجالا يعيشون بين الخوف والرغبة. هناك، تكتشف أن دالي لم يكن مجرد ضحية مجتمع قاسٍ، بل إنسانا عاش الحب، والفرح، والانكسار. ومع كل شهادة، لا تقترب ليليا من لغز الموت بقدر ما تقترب من جوهر الحياة التي سُلبت حقها في العلن.
بالتوازي، ينسج الفيلم مسار ليليا الشخصي: امرأة تعيش حريتها في باريس، لكنها تعود إلى تونس لحضور جنازة خالها، لتعيش حياة تضطر فيها لإخفاء ميولها. علاقتها بأليس علاقة مرسومة برهافة، فهي علاقة مليئة بالحب والرغبة، ولكن أيضاً فيها اختلاف في الحاجة إلى التخفي وإبقاء العلاقة سراً.
أداء هِيام عباس في دور وحيدة يمنح الفيلم مركزه العاطفي، فهي أم ممزقة بين حبها لابنتها وخوفها من المجتمع، بين قبولها السابق لأخيها وتفهمها لميلول ابنتها، ولكن رفضها أن تفصح عنها خوفاً عليها، وكأن التناقض ذاته جزء من بنية القمع التي ورثتها. لا تخلو معالجة بوزيد من مسحة ميلودرامية، خاصة حين يقترب الفيلم من القوانين التونسية، التي تجرّم المثلية، أو من حضور الشرطة كسلطة أخلاقية أكثر منها قانونية. لكنها سرعان ما تعود إلى قوتها الأساسية: التفاصيل الصغيرة التي تقول أكثر مما تصرخ. مشهد محاولة إخراج طائر عالق في البيت، أو غناء جماعي لأغنية لأم كلثوم، أو لحظة جلوس الجدة وسط أحفادها، كلها لحظات تؤكد أن الحياة تستمر رغم القمع، وأن الحنان يمكن أن يتعايش مع الإنكار. لعل بعض أرق مشاهد الفيلم كانت عند لقاء ليليا بالرجل الذي كان الحب الأول في حياة خالها، والذي خط له خالها رسائل لم يتمكن من إرسالها قط.
ما يميّز «بيت الحس» أنه لا يحاكم شخصياته، ولا يحوّلها إلى رموز أيديولوجية. الجميع أسرى منظومة أكبر منهم: تقاليد، خوف، قانون، ونظرة مجتمع لا ترحم. حتى أولئك الذين يقسون، يفعلون ذلك بدافع حماية من يحبونهم، وخوفاً من المجتمع أكثر من الرغبة في الأذى.
في النهاية، يصبح سؤال «كيف مات دالي؟» أقل أهمية من «كيف عاش؟». فالفيلم يقترح، بهدوئه العميق، أن الحياة السرية، المجبَرة على الاختباء، قد تكون القاتل الحقيقي، وأن الصمت، حين يتحوّل إلى أسلوب وجود، لا يحمي أحدا، بل يفتك بالجميع ببطء.
تغلق ليلى بوزيد فيلمها على احتفال جماعي بالحياة، بعد جنازة بدأت بالحزن والإنكار، في إشارة واضحة إلى أفق أكثر انفتاحاً، تقوده أجيال جديدة بدأت تجرؤ على الكلام، ولو همساً في البداية. «بيت الحس» ليس فقط فيلماً عن المثلية في تونس، بل عن العائلة العربية، حين تواجه ما لا تريد رؤيته، وعن الأثمان الباهظة التي يدفعها من يُجبرون على العيش في الظل.
يبدأ الفيلم من موتٍ غامض، لكنه لا يسعى حقاً إلى كشف ملابساته، بقدر ما يغوص في طبقات الصمت التي تراكمت حول حياة كاملة عاشت في الظل، وكأن الحقيقة ليست حدثاً يجب الوصول إليه، بل جرح جماعي لم يلتئم قط.
تصل ليليا المهندسة المقيمة في باريس، إلى مدينتها الساحلية سوسة لحضور جنازة خالها دالي، الذي عُثر عليه ميتا في الشارع في ظروف ملتبسة. ترافقها حبيبتها الفرنسية أليس، لكنها تتركها في فندق قريب، محافظةً على السر الذي اعتادت إخفاءه كلما عادت إلى بيت العائلة. هناك، في المنزل العائلي العتيق تحكم الجدة نفيسة المكان بسلطة صارمة، وتتحرك الابنتان حياة ووحيدة، والدة ليليا وخالتها، في أجواء من الحزن والإنكار، بينما يُدفن الابن الأصغر بسرعة، وكأن العائلة تريد دفنه مرتين: مرة في التراب، ومرة في الذاكرة. تريد العائلة أن تخفي سريعاً ملابسات موته، بل أن تخفي حياته التي انقضت بأسرها.
منذ المشاهد الأولى، تولي بوزيد اهتماماً بالغاً بطقوس الموت الإسلامية: غسل الجسد والكفن الأبيض، تلاوة القرآن، ونظرات الوداع، واستقبال المعزّين، لكنها لا تقدمها بوصفها شعائر دينية فحسب، بل كفضاء كثيف للصمت، حيث يُدار كل شيء من دون أن يُقال شيء. التركيز على طقوس تكريم جسد الميت يعطينا إحساسا ملتبساً، فربما وفقاً للدين الرسمي وللمجتمع المحافظ، ليس هذا الجسد جديراً بهذه المراسم، ولكن نظرة المخرجة توضح أن هذا الجسد جدير بالتكريم رغم اختلاف ميوله. سرعان ما يتضح أن العار الذي يخيّم على البيت، ليس بسبب الموت نفسه، بل بسبب حياة دالي المثلية، التي ظلّت العائلة تعرفها كسر عائلي دفين وتخفيها بشتى السبل علناً.
الفيلم، ظاهريا، تحقيق في كيفية وفاة دالي، لكنه في العمق تشريح لعائلة تعلّمت أن تحب بصمت، وتدين الاختلاف بصمت، وتكذب بصمت. كل شخصية تحمل روايتها الخاصة عن الرجل الراحل: حياة ترى أنها دعمته عبر رعايته اليومية، ووحيدة تعتبر نفسها أكثر رحمة لأنها شجعته على أن يعيش كما هو، فيما ترفض الجدة الاعتراف بحقيقته أصلاً، مكتفية بالحزن ومحاولة الإخفاء ومحو ماضي ابنها وميوله. وبين هذه السرديات المتناقضة، تحاول ليليا أن تجمع صورة رجل لم تعرفه حقاً. رحلتها لمعرفة خالها وفهمه، وتماهيها معه حال عادت إلى تونس، وقررت الكشف عن ميولها المثلية، تقودها إلى العالم الخفي للمثليين في سوسة: أصدقاء، عشّاقا سابقين، رجالا يعيشون بين الخوف والرغبة. هناك، تكتشف أن دالي لم يكن مجرد ضحية مجتمع قاسٍ، بل إنسانا عاش الحب، والفرح، والانكسار. ومع كل شهادة، لا تقترب ليليا من لغز الموت بقدر ما تقترب من جوهر الحياة التي سُلبت حقها في العلن.
بالتوازي، ينسج الفيلم مسار ليليا الشخصي: امرأة تعيش حريتها في باريس، لكنها تعود إلى تونس لحضور جنازة خالها، لتعيش حياة تضطر فيها لإخفاء ميولها. علاقتها بأليس علاقة مرسومة برهافة، فهي علاقة مليئة بالحب والرغبة، ولكن أيضاً فيها اختلاف في الحاجة إلى التخفي وإبقاء العلاقة سراً.
أداء هِيام عباس في دور وحيدة يمنح الفيلم مركزه العاطفي، فهي أم ممزقة بين حبها لابنتها وخوفها من المجتمع، بين قبولها السابق لأخيها وتفهمها لميلول ابنتها، ولكن رفضها أن تفصح عنها خوفاً عليها، وكأن التناقض ذاته جزء من بنية القمع التي ورثتها. لا تخلو معالجة بوزيد من مسحة ميلودرامية، خاصة حين يقترب الفيلم من القوانين التونسية، التي تجرّم المثلية، أو من حضور الشرطة كسلطة أخلاقية أكثر منها قانونية. لكنها سرعان ما تعود إلى قوتها الأساسية: التفاصيل الصغيرة التي تقول أكثر مما تصرخ. مشهد محاولة إخراج طائر عالق في البيت، أو غناء جماعي لأغنية لأم كلثوم، أو لحظة جلوس الجدة وسط أحفادها، كلها لحظات تؤكد أن الحياة تستمر رغم القمع، وأن الحنان يمكن أن يتعايش مع الإنكار. لعل بعض أرق مشاهد الفيلم كانت عند لقاء ليليا بالرجل الذي كان الحب الأول في حياة خالها، والذي خط له خالها رسائل لم يتمكن من إرسالها قط.
ما يميّز «بيت الحس» أنه لا يحاكم شخصياته، ولا يحوّلها إلى رموز أيديولوجية. الجميع أسرى منظومة أكبر منهم: تقاليد، خوف، قانون، ونظرة مجتمع لا ترحم. حتى أولئك الذين يقسون، يفعلون ذلك بدافع حماية من يحبونهم، وخوفاً من المجتمع أكثر من الرغبة في الأذى.
في النهاية، يصبح سؤال «كيف مات دالي؟» أقل أهمية من «كيف عاش؟». فالفيلم يقترح، بهدوئه العميق، أن الحياة السرية، المجبَرة على الاختباء، قد تكون القاتل الحقيقي، وأن الصمت، حين يتحوّل إلى أسلوب وجود، لا يحمي أحدا، بل يفتك بالجميع ببطء.
تغلق ليلى بوزيد فيلمها على احتفال جماعي بالحياة، بعد جنازة بدأت بالحزن والإنكار، في إشارة واضحة إلى أفق أكثر انفتاحاً، تقوده أجيال جديدة بدأت تجرؤ على الكلام، ولو همساً في البداية. «بيت الحس» ليس فقط فيلماً عن المثلية في تونس، بل عن العائلة العربية، حين تواجه ما لا تريد رؤيته، وعن الأثمان الباهظة التي يدفعها من يُجبرون على العيش في الظل.


