المحطات الأولى لـ سيرة ( كمبرادوري) رَثّ (1)
نيسان ـ نشر في 2016-01-03 الساعة 15:06
محمد قبيلات.. بدأ حياته طالبا جامعيا في كلية الآداب، طالبا صموتا يصعب عليه الاندماج في المجموعات "الشلل" الطلابية، هناك تفتحت عيناه وقرائحه على المصطلحات السياسية والأدبية. وهناك أدرك ضرورة أن يتسلّح بالثقافة كعنصر اندماج في تلك المجموعات أولاَ، وثانيا كأداة للتميز على الأقران والأتراب، بل والتفوّق عليهم.
ورث شعورا، بعد قراءات ملولة محدودة نالها من كتب استعارها من مكتبة الجامعة، أن ذلك لا يكفي. هنا لاحظ أنه بلا لون أو طعم أو رائحة، فقرر الالتحاق بجماعة سياسية ليصبغ لونها ونكهتها على جلده.
ودّ في البداية لو أنه يستطيع أن يغيّر (هويته) لينضم لمجموعة دعوّية كان يرى أعضاءها يلبسون الثياب ويواظبون التردد إلى مسجد الجامعة، فليس أسهل ولا أسرع من الحصول على لقب" شيخ"، كما أن "باب التوبة" وقاعدة "يجبُّ ما قبله"، كانتا تؤهلانه للانخراط السريع في هذه الجماعة.
المتطلبات كانت صعبة بعض الشيء، فقد كان عليه حفظ آيات وأحاديث ويتدثر بثوب قصير، وأن يتردد على المسجد، والأهم من ذلك والأكثر كلفة، تلك المعركة التي كان سيخوضها مع الأهل إن هو غيّر.
لكنه سرعان ما تخلص من هذه الهواجس وانضم لمجموعة يسارية، ثم بدأ نجمه يلمع.
الخيار الأسهل كان الذهاب الى كنيسة بيت لحم، وحفظ تلك الترانيم الدينية باللغة الآرامية، ولبس جبة الراهب المزركشة، لكن ليس من تنظيمات مسيحية في الجامعة.. ما الحل؟
في الحالتين كان الأمر يتطلب الانخراط بملامح الخشوع والطيبة والتمسكن، وهذا ما كان يعجزه، بل يتنافى مع ما بداخله من عنفوان واعتداد بالنفس.
هنا في هذا التنظيم وجد الآن الحرية، العنوان الموازي للحياة، فيما اللغة أقرب الى الاندماج بالفلسفة والحديث المنمق" المرطّن"، وما كان عليه إلا أن يحفظ أقل من عشرين مصطلحا، كانت كفيلة أن تغطي وصف كل أوجه وعناصر الحياة.
بدأت رحلته مع الماركسية. من دون داع للتلفع بالجبب المزركشة للرهبان والقساوسة، أو الثياب البسيطة للشيوخ والدعاة.
أطلق لحيته تيمنا بالرعيل الأول من فلاسفة أوروبا، وراح يتموضع سياسيا كمعارض ليس مطلوبا منه إلا أن "ينتقد الواقع"، وأن يُلصق تلك المصطلحات فوق جبينه. وهذا أمر سهل.
المسألة لا تحتاج الى كثير ذكاء فرفيق دربه قال له يوما: في حال تعذّر عليك وصف الراهن ولصق مصطلحاتك به، فما عليك إلا أن تُركّب وتُجمّع وتنحت مصطلحات جديدة. وهذا ما كان "للكمبرادوري بعد حين".
قال له رفيقه: ضع كلمة (جُدد) مثلا على (الليبرالية) و (لايبراليين) فستصبح (ليبراليون جدد) .. ضع أيضا مصطلح "ما وراء" الحداثة مثلا، وتخيّل كم من السخرية ستضيف الى المصطلح.. غيّر في كلماتهم لتصبح لك .. لك وحدك، فستتحول فجأة الى (ما قبل) الأشياء كلها و(ما وراءها) أيضا، وهكذا افعل في كل شؤونك.. خذ كلمة كمبرادورية كررها عشر مرات.. كررها أكثر .. دع الناس تعرفك بها وتعرفها بك..
لم يكن يعلم، ومن أين له أن يعلم، أن هذه النصيحة ستكون إستراتيجية في حياته، أكسبته أهم مهاراته.. إنها بالنسبة له كالمنشار بالنسبة الى النجار، والمطرقة بالنسبة الى الحداد. لا يكون إن لم تكن حاضرة على الدوام بين يديه، وعلى لسانه.
-يتبع-


