اتصل بنا
 

تلاقي المصائر بين الجريدة والكتاب الورقي؟

نيسان ـ نشر في 2026-02-28 الساعة 14:16

نيسان ـ لم أكن منتبها إلى أن كثيرا من الكتب التي أشتريها من محالّ الكتب القديمة هي من النوع الذي يسميه الأنغلوساكسون “الكتاب الورقي”، بينما يسميه الفرنسيون “كتاب الجيب”، حتى قرأت في الصحافة الأمريكية أن سوق الكتاب الورقي في الولايات المتحدة نفقت، وأن “ريدر لينك”، أكبر شركة موزعة للكتب التي تباع في المطارات والصيدليات والمتاجر الكبرى، أعلنت التوقف عن توزيعها بنهاية عام 2025. وقد كان ذلك بمثابة الضربة القاضية لهذا النوع من الكتب الخفيفة الوزن الزهيدة السعر التي بدأ الإقبال عليها في الانخفاض منذ سنوات. فبعد أن كانت مبيعات الكتب الورقية في الولايات المتحدة تصل عام 2004 إلى 131 مليون نسخة، انخفضت عام 2024 إلى 21 مليون نسخة، أي بنسبة لا تقل عن 84 بالمائة، فيما لم تبلغ العام الماضي 18 مليون نسخة.وقد كان الكتاب الورقي الجماهيري أداة القراءة الأوسع انتشارا في شتى البلدان شرقا وغربا، حيث كانت أكثر الكتب التي نشتريها ونحن تلاميذ من كتب الجيب، وكانت دور النشر المصرية هي الرائدة عربيا في تعميم هذا النوع من القراءة الشعبية المتاحة ديمقراطيا لكل الناس أيا كان وضعهم المادي. وبين يديّ الآن أحد هذه الكتب ذات الإخراج المتواضع والورق الأصفر الداكن من سلسلة “اقرأ” الشهرية التي كان يشرف عليها أنيس منصور، ويتضمن السيرة الذاتية للناقد شوقي ضيف رحمه الله (طبعة فبراير 1985). ولا أكاد أذكر كتابا من كتب الأدب الفرنسي التي قرأناها في فترة الصبا والشباب إلا وكانت من كتب الجيب (التي كانت أحسن طباعة وإخراجا من نظيرتها العربية). ورغم احتفاظي ببعض من كتب فترة النشأة والتكوين، فقد فقدت نسختي من رواية “الطاعون” لكامو. ولا تزال الرواية تصدر في طبعات جديدة، إلا أن الحنين للنسخة القديمة قد دفعني إلى البحث عنها على الإنترنت، فكان لرؤيتها بعد كل ذلك الزمن وقع في النفس.
مع بدء انتشار الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية الرقمية، أخذت دور النشر تتوجس من قرب الموت النهائي للكتاب المطبوع، أيا كان نوعه
أما في الولايات المتحدة فقد ازدهرت سوق الكتاب الورقي من أواخر ستينيات القرن العشرين حتى منتصف التسعينيات، حيث قفزت مبيعاته من 656 مليون نسخة عام 1975 إلى حوالي 811 مليون نسخة عام 1979، متفوقة بذلك تفوقا واضحا على مبيعات كتب الغلاف المقوى أو المجلدات التي بلغت عامئذ 676 مليون نسخة. أما عام 1995 فقد تجاوزت مبيعات الكتب الورقية المليار و350 مليون نسخة! ولكن بما أن العصر الرقمي لا يرحم فقد تساوت مبيعات الكتب الإلكترونية (إي-بوك) عام 2011 مع مبيعات الكتب الورقية (مليار ومائة مليون نسخة). ومنذئذ بدأ الانحدار الذي استمر حتى نفقت سوق كتب الجيب بالمرة، ولو أن هناك من يرى أن الانحدار بدأ عام 2006 عندما بدأت تباع ألواح “كيندل” الإلكترونية التي يمكن أن تختزن من الكتب الآلاف.وقد بدأت قصة كتاب الجيب عام 1935 في بريطانيا مع آلان لين الذي أسس دار نشر “بنغوين بوكس” الشهيرة التي أتاحت للجماهير اقتناء الكتب بسعر لا يتجاوز سعر علبة السجائر. وسرعان ما انتقلت الظاهرة عام 1939 إلى الولايات المتحدة وشهدت ازدهارا مطردا منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن ها هي سوق كتب الجيب تنفق قبل حتى أن تبلغ مائة عام من العمر. ولهذا فمع بدء انتشار الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية الرقمية، أخذت دور النشر تتوجس من قرب الموت النهائي للكتاب المطبوع، أيا كان نوعه. ولكن الخبر السار أن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث، حيث إن الكتب المطبوعة (المحسوسة الملموسة) لا تزال تمثل 75 بالمائة من مبيعات الكتب في الولايات المتحدة. والأغلبية الساحقة منها هي من نوع كتاب الغلاف المقوى إضافة لما يسمى بالكتب الورقية التجارية، الأكبر حجما والأفضل إخراجا من كتب الجيب الجماهيرية. كما أن ثمة من كتب الجيب ما لا يزال يقاوم رغم الداء والأعداء. وأبرز هذه الكتب المقاومة روايات من عيون الأدب المعاصر مثل “1984” لجورج أورويل، و”أن تقتل طائرا بريئا” لهاربر لي، و”الحارس في حقل الشوفان” لجيروم ديفيد سالنجر.وإذا علمنا أن ممّا أسهم في ازدهار كتب الجيب في الماضي أنها كانت متاحة في الأكشاك جنبا إلى جنب مع الجرائد والمجلات، صعُب التخلص من الانطباع بأن لعل كل الذي حدث لا يكون إلا إرهاصا بأن تراجيديا المصير قد تدرك الجريدة الورقية ببعض ما أدركت الكتاب الورقي، ولو بتنوع في الوتائر والأقدار.

نيسان ـ نشر في 2026-02-28 الساعة 14:16


رأي: مالك التريكي

الكلمات الأكثر بحثاً