ظلُّ العراق
نيسان ـ نشر في 2026-03-11 الساعة 10:33
نيسان ـ أعتقد أن هذه هي المرة الثانية في هذا القرن التي ترتكب فيها الولايات المتحدة خطأً فادحًا جدًا في الشرق الأوسط جون برينان.
عادةً ما يلتف الساسة، ولا سيما العسكريون ورجال الاستخبارات، حول حكومتهم في أوقات الحروب. غير أن الحرب مع إيران كشفت عن انقسام كبير داخل الولايات المتحدة، وهو ما يدل على وجود شرخ واضح داخل مؤسسات الحكم في واشنطن. ففي مقابلة تلفزيونية حذّر جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، من أن الولايات المتحدة تسير في طريقها إلى تكرار الخطأ الكبير الذي وقعت فيه عندما احتلت العراق عام 2003.
تعيدنا تصريحات برينان إلى ذكريات حرب العراق المؤلمة. ففي ذلك العام أطلقت إدارة جورج بوش الابن غزوًا استند إلى تقارير استخباراتية زعمت امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. غير أن تلك الأسلحة لم تكن سوى ادعاءات على الورق، إذ لم يُعثر عليها قط. وسرعان ما تحولت الحرب إلى مستنقع كبير زعزع استقرار المنطقة، وأنفقت الولايات المتحدة عليها ما يقارب تريليوني دولار، بينما دفع العراقيون ثمنها فادحًا؛ إذ قُتل نحو ستمئة ألف عراقي، وهُجّر قرابة سبعة ملايين. ومن بين تلك الأنقاض خرج تنظيم داعش، الذي تمكن لاحقًا من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا قاربت في اتساعها مساحة فرنسا.
ومع أن تلك الحرب الأليمة كانت موضع انتقاد شديد، بل إن الرئيس ترامب نفسه انتقدها سابقًا ووعد ناخبيه بأن عهد الحروب قد انتهى، فإنه يجد نفسه اليوم منخرطًا في مواجهة جديدة في الشرق الأوسط تبدو أكثر صعوبة وتعقيدًا من غزو العراق.
ويرى برينان أن الهجمات الأخيرة على إيران، وهي دولة كبيرة يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، قد تكون مدمّرة في آثارها، لكنها على الأرجح لن تُفضي إلى تغيير سياسي سريع؛ فالقيادة الإيرانية تمزج بين السلطتين الدينية والسياسية، وتستند إلى شبكة من المؤسسات الأمنية القوية يتصدرها الحرس الثوري. ولهذا يصف برينان هذا التصعيد بأنه خسارة مأساوية وعبثية، بل وغير ضرورية.
ويشير إلى أن قرار الحرب كان صهيونيًا في جوهره؛ فمنذ سنوات طويلة يسعى مجرم الحرب نتن ياهو إلى جرّ المنطقة إلى هذه المواجهة، وقد نجح أخيرًا في إقناع ترامب بخوضها. غير أن صقور الولايات المتحدة يرفضون الاعتراف بذلك، فيقدّمون تبريرًا مختلفًا للحرب مفاده أن إيران تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية وأن دماء أمريكيين سُفكت على أيديها، وبالتالي كان لا بد من رد حاسم. غير أن هؤلاء الصقور يعجزون عن تقديم تسويغ مقنع لهذه الحرب، ولا سيما أنها اندلعت في خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، تمامًا كما وقع الاعتداء الأول في أيلول الماضي بينما كانت المفاوضات مستمرة.
ويلفت برينان إلى أن إيران كانت قد قبلت سابقًا بقيود نووية صارمة في إطار الاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، الذي أُبرم خلال إدارة أوباما. فبموجب هذا الاتفاق قامت طهران بتفكيك نحو تسعين في المائة من أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم، كما فتحت منشآتها أمام عمليات تفتيش واسعة النطاق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن هذا الاتفاق انهار عام 2018 خلال الولاية الأولى لترامب، رغم أنه كان يوفر أقوى نظام رقابة دولي يقيّد البرنامج النووي الإيراني.
وغالبًا ما تنجح العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها المباشرة؛ فهي تضرب مواقع محددة، وتدمّر البنية التحتية، وتعطّل شبكات القيادة. غير أن دروس التاريخ تُظهر أن مثل هذا النجاح التكتيكي لا يتحول بالضرورة إلى نصر استراتيجي. وقد جسّدت حرب العراق هذه الحقيقة بوضوح؛ فالحكومة العراقية انهارت سريعًا، لكن الاستقرار لم يتحقق، بل انزلقت البلاد إلى فوضى عارمة.
ويقول برينان إن نجاح الضربات في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والقضاء على برنامجها النووي قد يمنح الرئيس مبررًا للدفاع عن قراره بخوض الحرب. غير أن الصورة ستختلف تمامًا إذا قاد هذا التصعيد إلى سنوات طويلة من عدم الاستقرار، إذ ستقع المسؤولية السياسية المباشرة حينها على عاتق الرئيس ترامب.
كما ينتقد برينان الإدارة الأمريكية لعدم تشاورها مع الكونغرس أو مع حلفائها، ويخلص إلى أن الثقة المفرطة بالقوة العسكرية كثيرًا ما تتحول إلى تعقيدات جيوسياسية طويلة الأمد، وأن ما نشهده اليوم ينطوي على مخاطر قد تكون أكبر بكثير مما شهده العالم عند غزو العراق.
لقد بدأت مغامرة تذكّر بحرب العراق، حرب لا تحظى بتأييد شعبي يُذكر. وربما تحقق الولايات المتحدة والكيان نصرًا تكتيكيًا في الميدان، لكن دروس التاريخ تُعلّمنا أن النجاح العسكري السريع لا يعني بالضرورة كسب الحرب. قد لا يعيد التاريخ نفسه حرفيًا، غير أن شبح العراق ما يزال جاثمًا على صدور الساسة ويثير قلق الكثيرين؛ فهذه قصة شاهدنا فصولها من قبل.
لمن أراد الاستزادة
https://tinyurl.com/4bkc964t
عادةً ما يلتف الساسة، ولا سيما العسكريون ورجال الاستخبارات، حول حكومتهم في أوقات الحروب. غير أن الحرب مع إيران كشفت عن انقسام كبير داخل الولايات المتحدة، وهو ما يدل على وجود شرخ واضح داخل مؤسسات الحكم في واشنطن. ففي مقابلة تلفزيونية حذّر جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، من أن الولايات المتحدة تسير في طريقها إلى تكرار الخطأ الكبير الذي وقعت فيه عندما احتلت العراق عام 2003.
تعيدنا تصريحات برينان إلى ذكريات حرب العراق المؤلمة. ففي ذلك العام أطلقت إدارة جورج بوش الابن غزوًا استند إلى تقارير استخباراتية زعمت امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. غير أن تلك الأسلحة لم تكن سوى ادعاءات على الورق، إذ لم يُعثر عليها قط. وسرعان ما تحولت الحرب إلى مستنقع كبير زعزع استقرار المنطقة، وأنفقت الولايات المتحدة عليها ما يقارب تريليوني دولار، بينما دفع العراقيون ثمنها فادحًا؛ إذ قُتل نحو ستمئة ألف عراقي، وهُجّر قرابة سبعة ملايين. ومن بين تلك الأنقاض خرج تنظيم داعش، الذي تمكن لاحقًا من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا قاربت في اتساعها مساحة فرنسا.
ومع أن تلك الحرب الأليمة كانت موضع انتقاد شديد، بل إن الرئيس ترامب نفسه انتقدها سابقًا ووعد ناخبيه بأن عهد الحروب قد انتهى، فإنه يجد نفسه اليوم منخرطًا في مواجهة جديدة في الشرق الأوسط تبدو أكثر صعوبة وتعقيدًا من غزو العراق.
ويرى برينان أن الهجمات الأخيرة على إيران، وهي دولة كبيرة يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، قد تكون مدمّرة في آثارها، لكنها على الأرجح لن تُفضي إلى تغيير سياسي سريع؛ فالقيادة الإيرانية تمزج بين السلطتين الدينية والسياسية، وتستند إلى شبكة من المؤسسات الأمنية القوية يتصدرها الحرس الثوري. ولهذا يصف برينان هذا التصعيد بأنه خسارة مأساوية وعبثية، بل وغير ضرورية.
ويشير إلى أن قرار الحرب كان صهيونيًا في جوهره؛ فمنذ سنوات طويلة يسعى مجرم الحرب نتن ياهو إلى جرّ المنطقة إلى هذه المواجهة، وقد نجح أخيرًا في إقناع ترامب بخوضها. غير أن صقور الولايات المتحدة يرفضون الاعتراف بذلك، فيقدّمون تبريرًا مختلفًا للحرب مفاده أن إيران تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية وأن دماء أمريكيين سُفكت على أيديها، وبالتالي كان لا بد من رد حاسم. غير أن هؤلاء الصقور يعجزون عن تقديم تسويغ مقنع لهذه الحرب، ولا سيما أنها اندلعت في خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، تمامًا كما وقع الاعتداء الأول في أيلول الماضي بينما كانت المفاوضات مستمرة.
ويلفت برينان إلى أن إيران كانت قد قبلت سابقًا بقيود نووية صارمة في إطار الاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، الذي أُبرم خلال إدارة أوباما. فبموجب هذا الاتفاق قامت طهران بتفكيك نحو تسعين في المائة من أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم، كما فتحت منشآتها أمام عمليات تفتيش واسعة النطاق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن هذا الاتفاق انهار عام 2018 خلال الولاية الأولى لترامب، رغم أنه كان يوفر أقوى نظام رقابة دولي يقيّد البرنامج النووي الإيراني.
وغالبًا ما تنجح العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها المباشرة؛ فهي تضرب مواقع محددة، وتدمّر البنية التحتية، وتعطّل شبكات القيادة. غير أن دروس التاريخ تُظهر أن مثل هذا النجاح التكتيكي لا يتحول بالضرورة إلى نصر استراتيجي. وقد جسّدت حرب العراق هذه الحقيقة بوضوح؛ فالحكومة العراقية انهارت سريعًا، لكن الاستقرار لم يتحقق، بل انزلقت البلاد إلى فوضى عارمة.
ويقول برينان إن نجاح الضربات في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والقضاء على برنامجها النووي قد يمنح الرئيس مبررًا للدفاع عن قراره بخوض الحرب. غير أن الصورة ستختلف تمامًا إذا قاد هذا التصعيد إلى سنوات طويلة من عدم الاستقرار، إذ ستقع المسؤولية السياسية المباشرة حينها على عاتق الرئيس ترامب.
كما ينتقد برينان الإدارة الأمريكية لعدم تشاورها مع الكونغرس أو مع حلفائها، ويخلص إلى أن الثقة المفرطة بالقوة العسكرية كثيرًا ما تتحول إلى تعقيدات جيوسياسية طويلة الأمد، وأن ما نشهده اليوم ينطوي على مخاطر قد تكون أكبر بكثير مما شهده العالم عند غزو العراق.
لقد بدأت مغامرة تذكّر بحرب العراق، حرب لا تحظى بتأييد شعبي يُذكر. وربما تحقق الولايات المتحدة والكيان نصرًا تكتيكيًا في الميدان، لكن دروس التاريخ تُعلّمنا أن النجاح العسكري السريع لا يعني بالضرورة كسب الحرب. قد لا يعيد التاريخ نفسه حرفيًا، غير أن شبح العراق ما يزال جاثمًا على صدور الساسة ويثير قلق الكثيرين؛ فهذه قصة شاهدنا فصولها من قبل.
لمن أراد الاستزادة
https://tinyurl.com/4bkc964t
نيسان ـ نشر في 2026-03-11 الساعة 10:33
رأي: اسماعيل الشريف


