اتصل بنا
 

هل فشل رهان ترامب في ايران؟

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:12

نيسان ـ قبل أسابيع طويلة مرهقة بتطوراتها اللحظية، نشرت بتاريخ 7 فبراير 2026، في في هذا المكان مقالا بعنوان «لن تسقط إيران بالحرب المحتومة»، قلت فيه إن النظام الإيراني لن يسقط حتى لو اغتالوا خامنئي، وفي نهاية شهر فبراير، جاءت الضربة الكبرى المحتومة، وبدت كاسحة مدمرة لقيادة النظام المجتمعة في مكان واحد، وراح ضحيتها عشرات من القادة الكبار، أولهم القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي.
بدت النتيجة الأولى مزلزلة، خصوصا أنه لم يكن من محل للمفاجأة العسكرية هذه المرة، ولا لترك رأس النظام في عراء مكشوف، مع ما بات معروفا من كثافة وعمق الاختراقات الاستخباراتية للوضع الإيراني، والتواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية، لكن النظام الإيراني أثبت أنه أبعد وأوسع من رأس المرشد الأعلى، وجاء الدور على نقاط القوة بعد مظاهر الضعف، وكان المخطط الإيراني، كما أعلن مرات على لسان المرشد الراحل نفسه، أن أي ضربة حتى لو كانت خاطفة، ستواجه بحرب واسعة ممتدة زمانا ومكانا، تستخدم فيها إيران ذخيرتها الأقوى من المسيرات والصواريخ الباليستية.
وهكذا كان اتساع رقعة الرد الإيراني شبه الفوري، الذي تضمن أخطاء في التقدير السياسي، من نوع التوسع في مهاجمة دول عربية خليجية مجاورة، وعلى نحو تعدى ضرب مصالح أمريكا وقواعدها العسكرية في الجوار، وإن كان التوسع ـ على مضاره ـ رفع تكلفة الحرب على العدو الأمريكي الإسرائيلي، وقاد إلى تكلفة دم وطائرات أمريكية سقطت، إضافة إلى خسائر دم ودمار داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي، زادت فيما بعد مع انضمام حزب الله إلى الحرب، وما تكشف من صلابة تكوينه العسكري، ودقة صواريخه الأكثر تطورا، وبالذات صواريخه المضادة للدروع إيرانية المنشأ، التي أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي عند الحدود اللبنانية، ثم ظهرت صواريخ حزب الله الباليستية الدقيقة، التى جرى تنسيق إطلاقها مع صواريخ إيران الفرط صوتية الانشطارية بالذات، وبدت النتائج مؤثرة على جبهة العدو الإسرائيلي، مع تدمير دقيق لمحطة اتصالات إسرائيلية كبرى مع الأقمار الصناعية.
وقد لا يستطيع عاقل أن يقلل من حجم الخسائر والدمار في إيران، أو في لبنان، ولا من اضطرار أكثر من 700 ألف لبناني جنوبي إلى النزوح الموقوت، وإن لوحظ أن الاختراق الخطر المشكو منه في كيان حزب الله، لم يصل إلى نخاع شبكته العسكرية المحكمة فائقة التنظيم، فقد كان من آيات الحرب الجارية، أن حزب الله المحاصر المعتصر المستنزف المطارد بجنون على مدى خمسة عشر شهرا سبقت، بدا وكأنه يستعيد كثيرا من وهجه التاريخي، وبدا مقاتلوه وكأنهم ينبتون كأشجار الصبار على حافة الحدود مع العدو، ويخوضون معارك مذهلة مع فرق المئة ألف جندي إسرائيلي، المحتشدة لتنفيذ غزو بري شامل في الجنوب اللبناني، ويديرون مذابح لدبابات الميركافا الإسرائيلية، رغم سوابق إعلان نزع سلاح الحزب وتدمير أنفاقه على مساحة ألف كيلومتر جنوب نهر الليطاني، ثم بدت جاهزية ويقظة المقاتلين ملهمة في البقاع، مع محاولات الإنزال الإسرائيلي بعشرات الطائرات المروحية في قرية النبي شيت، عند سلاسل الجبال الشرقية والحدود مع سوريا، ثم إنذار قطعان الساكنين في مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل بالخروج والإخلاء، كانت عودة حزب الله عفية، إلى ميادين القتال، التي أرادوا جعل إيران ميدانها الحصري، فامتدت الجبهة إلى لبنان، وكان محلا لعدوان لم يتوقف يوما منذ الاتفاق على ما سمى وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، وجاء دخول الحزب إلى الحرب ثأرا لكرامة لبنان المهدرة، وليس فقط ثأرا لدم الولي الفقيه علي خامنئي.
بدت تطورات الحرب المتسارعة، كأنها تطبيق لخطة الراحل خامنئي نفسه، ونشر لأطواق النار على أوسع مساحة، وإشغال للعدو الأمريكي الإسرائيلي على جبهات متعددة
بدت تطورات الحرب المتسارعة، كأنها تطبيق لخطة الراحل خامنئي نفسه، ونشر لأطواق النار على أوسع مساحة، وإشغال للعدو الأمريكي الإسرائيلي على جبهات متعددة، ربما يزيد اتساعها مع انضمام الحوثيين الوارد في أي وقت، خصوصا بعد الصمود القوى للداخل الإيراني، الذي تجتاحه القاذفات الإسرائيلية الأمريكية على مدار الساعة، وبكل ما تملكه الجيوش الأمريكية بما فيها الجيش الإسرائيلي، وحتى بأسراب القاذفات النووية بي ـ 1 وبي ـ2 وبي ـ 52 بقنابلها الثقيلة الخارقة للتحصينات، وبكل الضربات الأشد التي هدد بها جنرالات ووزارة الحرب الأمريكية، لكن المشهد الشعبي بدا منطويا على مفارقة بليغة، شوارع المدن الإيرانية الكبرى تحت القصف شبه النووي، راحت تموج بالتظاهرات المليونية المؤيدة لنظام قطع رأسه، بينما شوارع كيان الاحتلال تبدو مهجورة، وملايين السكان الإسرائيليين في الملاجئ خوفا من شظايا الصواريخ الإيرانية واللبنانية، وأكثر من عشرة آلاف غارة أمريكية إسرائيلية، لم تدفع الإيرانيين للاختباء، رغم أن عدد الضحايا الإيرانيين جاوز الألفي شهيد مدني في أقل تقدير إلى الآن، بينما يموت الإسرائيليون في جلودهم مع صفارات الإنذار، التي لا تتوقف من شمال فلسطين المحتلة إلى الجنوب في غلاف غزة، فقد أدار الإيرانيون مخزونهم من الصواريخ والمسيرات بذكاء وبراعة، وبطريقة تقترب من المسار الذي اتبعوه في حرب يونيو 2025 ذات الاثني عشر يوما، وبتدرج في استخدام الصواريخ من الأقدم إلى الأحدث، وفتح ثغرات تتسع في حوائط الدفاع الجوي وقصف الرادارات الأمريكية الإسرائيلية، ثم الانتقال إلى استخدام الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية الأكثر دقة في إصابة الأهداف المطلوبة، وهو التكتيك الذي بدا أكثر انتظاما وتلاحقا مع انتخاب القائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي خلفا لوالده.
كان اختيار مجتبى في ذاته ملحمة دارت تحت حمم النار، إدعت إسرائيل في البداية أنها قصفت مقر اجتماع مجلس خبراء القيادة المخول بانتخاب خليفة المرشد، وأنها اغتالت كل أعضاء المجلس بضربة واحدة، ثم تبين أن ما زعمته إسرائيل كان كذبة انفضحت، واستطاع الإيرانيون تدبير عقد الاجتماع في غير مقره الرسمي، وأداروا مناقشات مستفيضة حول أسماء متعددة، وكانت المفاجأة ـ يسب مصادر إيرانية ـ أنهم اختاروا خامنئي الابن بأغلبية الأصوات، وبعدد 54 صوتا من 73 عضوا شاركوا باجتماع المجلس المكون من 88 رجل دين منتخبا شعبيا، وكان اختيار مجتبى صفعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي خوف وحذر مرات من تنصيب ابن خامنئي مرشدا إيرانيا عاما، وكأن اغتيال خامنئي الأب كان بلا جدوى، فقد انتقل النظام من قيادة خامنئي العجوز ـ 86 سنة ـ إلى اختيار خامنئي الإبن وعمره 56 سنة، وكأن الحرب كلها كانت سرابا، أو أنها أتت بأثر عكسي تماما، ورغم تعهد أمريكا وإسرائيل بقتل مجتبى، كما جرى لأبيه، إلا أن خامنئي الإبن يبدو أكثر حذرا واحتياطا، ثم إن قتله لا يعني سقوط النظام بالضرورة، فبإمكان الإيرانيين دائما اختيار مرشد آخر، إن لم يكونوا اختاروا فعلا قائمة مرشدين متسلسلين، ثم إن التعقيد الخاص ببنية النظام الإيراني، لا يجعل للأشخاص بذواتهم قيمة فاصلة، وكل قائد له أربعة بدائل، يحل أحدهم محل سابقه فور استشهاده، وهو ما أظهرته التجارب العينية المتوالية في أزمنة الحرب بالذات، وللنظام الإيراني معارضات متنوعة المصادر سياسيا واجتماعيا وعرقيا، لكن النظام بعد 47 سنة من ثورة الخميني، يرتكز على قاعدة تأييد صلبة لا تزال فعالة، وكثير من المعارضين في زمن الحرب الجارية تحولوا إلى التأييد، بينما لا يستطيع العدو الأمريكي الإسرائيلي استنفار قطاعات تذكر من الشعب الإيراني ضد النظام.
صحيح أن الحرب لم تنته بعد، وأن ترامب الهائج قد يقدم على ضربات يائسة، من نوع احتلال مضيق هرمز أو جزيرة خارك عاصمة تصدير البترول الإيراني، أو الاندفاع إلى تدمير شبكات المياه والكهرباء بعد إحراق إسرائيل لخزانات وقود، لكن هذه المخاطرات كلها، لن تدفع الشعب الإيراني للركوع ولا للاستسلام، بل تزيد مآزق ترامب نفسه، الذي يستشيط غضبا من تذبذب أسعار البترول والغاز الطبيعي في السوق الدولية، وميلها الإجمالي إلى الارتفاع، وتضاعف توقعات بزيادة أسعار برميل البترول الخام إلى 150دولارا، وربما إلى 200 دولار، وهو ما يزيد من الضغوط الدولية لوقف الحرب، وربما تتحول مجازفة ترامب في مضيق هرمز إلى كارثة أوسع نطاقا، تحقق هدف إيران في رفع تكلفة الحرب إلى أقصى مدى عالمي، وتصدر الأزمة رأسا إلى الداخل الأمريكي، الذي يعارض الحرب بنسبة تزيد على 65% من الرأي العام، وبما قد يدفع ترامب الخائف على شعبية حزبه الجمهوري في انتخابات تجديد الكونغرس في نوفمبر المقبل، إلى الانسحاب من الحرب على عجل، وتطليق أوهامه ورهاناته الخائبة في إيران.

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:12


رأي: عبدالحليم قنديل كاتب مصري

الكلمات الأكثر بحثاً