اتصل بنا
 

ربع قرن من التواطؤ الأمريكي الإيراني المرير

كاتب لبناني

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:13

نيسان ـ بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أعانت إيران الولايات المتحدة في حربها على حركة طالبان. كيف لا وذكرى قتل الطالبان للديبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف 1998 والمذابح ضد الشيعة من الهزارة كانت لا تزال جرحاً نازفاً.
عمل مستشارون عسكريون إيرانيون جنباً إلى جنب مع أفراد من القوات الخاصة الأمريكية والمخابرات المركزية داخل الأراضي الأفغانية. ثم لعب الدبلوماسيون الإيرانيون، وعلى رأسهم محمد جواد ظريف في ذلك الوقت، دوراً محورياً في مؤتمر بون لإقناع الفصائل الأفغانية، لا سيما المنتمية الى قوميتي الطاجيك والأوزبك، بقبول الباشتوني حامد كرزاي رئيساً للحكومة الانتقالية. مع هذا، لم يصمد التقاطع الإيراني الأمريكي من البوابة الأفغانية، وبمعية كل من ظريف والمبعوث الأمريكي جيمس دوبينز طويلا. كان لإسرائيل إسهامها في إحباط هذا التقاطع بعد استيلائها على باخرة “الكارين إي” في البحر الأحمر المحملة بالأسلحة المنقولة إلى السلطة الفلسطينية – أبو عمار – وليس حماس! وجد رئيس الوزراء المنتدب لقمع الانتفاضة الثانية أرييل شارون ضالته مع هذه الشحنة، لإظهار أن عرفات يتعاون مع نظام يجاهر بالعمل على تدمير دولة إسرائيل، وبالتالي لا مصداقية له للسير بأي عملية سلام، واغتنمها الصقور في الولايات المتحدة مناسبة للتعميم بأن الخط البراغماتي الإصلاحي المحيط بالرئيس محمد خاتمي في إيران يعطي صورة مضللة عن واقع الحال في إيران، التي يمسك متشددو الحرس الثوري بالنظام الحقيقي فيها وينتهجون السياسات المعادية لكل من أمريكا وإسرائيل. بعد خمسة وعشرين يوما فقط على مصادرة الكارين أي سيلقي الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خطاب حال الاتحاد الذي جاء لينسف التجربة التقاطعية مع الجمهورية الإسلامية. إذ جمل بوش إيران مع كل من العراق وكوريا الشمالية في “محور شر” يتسلح لتهديد العالم، من خلال امتلاك أسلحة الدمار الشامل. ويظهر أن إقحام إيران لم يكن مطروحا بهذه الحدة في المسودة الأولى لهذا الخطاب. صدم المبعوث جوبينز مثلا عندما ألقى بوش الخطاب. انقسمت المؤسسة الحاكمة في إيران بين من اعتبره جحودا أمريكيا بالجهود المشتركة في أفغانستان، وبين من تلقفها مناسبة للهزء بأوهام الإصلاحيين حول الانفراج مع واشنطن. حتى تلك اللحظة كان الارتياب الأمريكي الإسرائيلي محصورا سلاحياً بالصواريخ الباليستية الإيرانية وبمخزونات غاز الأعصاب. وحده بنيامين نتنياهو “اكتشف” المشروع النووي الإيراني وهو ما يزال جنينيا في المهد، عندما ألقى كنائب في الكنيسة كلمة عام 1992 حذر فيها من تسرب العلماء والمواد المشعة من الاتحاد السوفياتي المنهار إلى إيران بما يعطي المجال للأخيرة لإنتاج رؤوس نووية في بضع سنين. وعاد نتنياهو ليكرر هذه المخاوف في كتابه “مكان بين الأمم”. لكن جلاء الصورة حول المنشآت النووية لم يحدث إلا بعد ذلك بعشر سنوات. وتحديدا في أغسطس 2002 عندما كشف التعاون مع مجاهدي خلق والموساد عن وجود منشأتي نطنز وآراك السريتين، لتبدأ بعد ذلك الضغوط لأجل تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبينما ادعت إيران أن برنامجها سلمي بحت، جرى اكتشاف أن شبكة الباكستاني عبد القدير خان باعتها أجهزة طرد مركزي ومكونات جاهزة لتخصيب اليورانيوم ولصبه في قوالب كروية، وكل هذا يتجاوز معزوفة “النووي السلمي.” تسليم معمر القذافي برنامجه النووي بالكامل للولايات المتحدة سمح بالإيقاع بخان، أب القنبلة الباكستانية، ووضعه تحت الإقامة الجبرية لسنوات.
رغم القمع الوحشي للانتفاضة الثانية في المناطق الفلسطينية، ورغم الشروع في تدويل ملفها النووي من بعد تسجيلها في ثلاثي محور الشر، فقد عادت إيران للتعاون مع الأمريكيين إبان وفي أعقاب غزوهم العراق. أوعزت طهران لحلفائها من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الى حزب الدعوة للانخراط في النظام العراقي الجديد المهندس أمريكيا. من ناحية، نظرت إلى الوجود الأمريكي على حدوها الشرقية – أفغانستان – والغربية – العراق – كفكي كماشة، ومن ناحية ثانية أدركت أن اسقاط نظام صدام حسين وإخراج الفكرة القومية العربية من التداول – وهو ما تعاون الليبراليون العرب مع الخمينيين والإسلاميين عموما عليه – يفتحان المجال لتمدد غير مسبوق في الإقليم. توسلت النموذج اللبناني، أي حزب الله، أي حسن نصر الله، كمنطلق للربط بين اعتباراتها الجيوسياسية وتلك الأيديولوجية. اعتمدت على التكتيك المزدوج في العراق: التعاون مع الأمريكيين على بناء النظام الجديد وتجهيز الجماعات المتنقلة بين تنفيذ العمليات ضد الأمريكيين وبين التقاتل المذهبي مع الفصائل السنية. ولد العراق الجديد كشركة مساهمة بين “المستكبرين والمستضعفين”. وكان إعدام صدام صبيحة عيد الأضحى أواخر العام 2006 كلحظة تغلب قصوي مذهبي قصوى. عمليا كانت تعني هذه اللحظة أن أمريكا عادت و”ربّحت” إيران حربها مع العراق من بعد هزيمتها أمامه في الفاو وشلمجة. سبق ذلك في المقابل نجاح السيد نصر الله في حرب يوليو 2006 مع إسرائيل في تظهير مشهد قتالي “عابر للمذاهب” ومشتهى لدى الجماهير العربية.
أعوام طويلة من اختلاط الحابل بالنابل، تعاونت كل من واشنطن وطهران على هندسة الفوضى الاقليمية في أكثر من مفصل
يأتي مصرع المرشد الإيراني علي خامنئي بعد عشرين عاما على إعدام صدام بمؤثرات مذهبية مستقوية بالغزاة. عقدان شهدا حربا أمريكية – إيرانية/شيعية عراقية مشتركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتدخلا إيرانيا يلاقيه، وأحيانا ينافسه، تدخل روسي، في سوريا، إلى جانب النظام الأسدي في سني الثورة والحرب الأهلية. وفي الموازاة، رعاية من الحرس الثوري لإمبراطورية من الميليشيات المهدوية في لبنان والعراق واليمن، والتفاخر الطاووسي بالاستيلاء على العواصم العربية، ورهاب عربي في المقابل من الانفراج النووي بين إيران وأمريكا كما حدث في عهد باراك أوباما. أعوام طويلة من اختلاط الحابل بالنابل، تعاونت كل من واشنطن وطهران على هندسة الفوضى الإقليمية في أكثر من مفصل. أو لاحتوائها كما في الحرب على داعش. لم تتطبع واشنطن رغم كل هذه التحولات مع عدائيتها تجاه حزب الله، لكنها تساهلت إلى حد كبير مع التطبيق المحدود للقرار 1701 الصادر أواخر حرب 2006، وأجازت تكريس تغلبية الحزب في الداخل اللبناني في صلح الدوحة 2008 من بعد استخدامه للسلاح في الداخل، ودام “غض الطرف” الاستراتيجي عن حزب الله إلى سنوات طويلة من هذه الناحية. وعلى الرغم من “مشروع كاساندرا” بدءا من 2008 لحصر وتقويض الشبكات العالمية لتمويل الحزب إلا أن إدارة أوباما عادت وميعت هذا الضغط على الحزب إبان الاتفاق مع إيران، لتعود الهجمة الأمريكية من هذه الناحية عام 2019 في لبنان مع إدراج مصرف جمال ترست تحت لائحة العقوبات بتهمة تقديم خدمات مؤسسة الشهيد وجمعية “القرض الحسن”، وجاءت تصفية هذا البنك لتسرع من الانهيار المالي، بالقدر نفسه الذي أخذ يظهر فيه عمق التداخل بين الأوليغارشية المصرفية اللبنانية، وبخاصة تلك المناهضة شعاراتيا لحزب الله، مع الاقتصاد السري التابع أو المستظل به.
كانت تجربة ربع قرن من التعاون الأمريكي الإيراني المأزقي. المنطلق في أفغانستان، المجهض من بعدها بحجة التعاون الإيراني العرفاتي، والمستعاد من ثم من بوابة غزو العراق، والإدارة المشتركة للبنان كما للعراق، والتعاون بين الحشد الشعبي على الأرض والمقاتلات الجوية الأمريكية في السماء ضد داعش، والتعاون عمليا على فصل قطاع غزة عن الضفة، وموجات صعود وهبوط في الموضوع النووي، توجت بالاتفاق مع أوباما، وتمزيقه مع ترامب، وصولا إلى قتل قاسم سليماني بقرار من الأخير 2020 وإخفاق الديمقراطيين من ثم في إعادة رتق الاتفاق الممزق. تعايش في هذا الربع قرن منطق التقاطع كما منطق التواجه بين واشنطن وبين طهران، إلى أن كتبت الغلبة للمنظار الذي يعتبر أن إيران وحزب الله يتحملان مثل حماس المسؤولية عن هجمات 7 أكتوبر، وأن الإيرانيين لا يفقهون التفاوض حول الملف النووي إلا من قبيل التسويف والمراوغة. لأجل هذا، لا يمكن توهم أنه في هذا الربع القرن كانت الإمبريالية الأمريكية والثيوقراطية الإيرانية طول الوقت بالمرصاد لبعضهما البعض. بالعكس تماما، أدارا حروبا مشتركة عديدة، وتوليفات حكم في العراق ولبنان. فهل بالمجال عندما تحتدم المواجهة الكاملة التعامل مع تراكم ربع قرن كأنه لم يكن؟ والسؤال يطرح فيما التركيبة العراقية التي تعكس التعاون المرير بين أمريكا وإيران لم تزل قائمة، هذا في مقابل وضع لبناني ما عاد بمستطاعه عيش هذا النوع من التساكن بين النفوذين الأمريكي والإيراني، فمالت الدولة بكليتها الى الأول، وضرب الثاني عرض الحائط بالدولة.

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:13


رأي: وسام سعادة كاتب لبناني

الكلمات الأكثر بحثاً